رجال الدِّين.. وكِلاب حِراسَة السَّلاطِين
((
مُقتَبس مِن كتاب ( العِز بن عبدالسَّلام ) للدّكتور/ مُحمَّد الزُّحيلي، الطَّبعة
الثَّانية - دار القلَم - 1419هـ)). ص184-186
نقول هذا
عَن سُلطان العُلماء [العِز بن عبدالسَّلام] في الوَقت الَّذي
يكثُر فيه مَن تسمّوا في هذا العَصر برِجال الدِّين، واحتلُّوا المناصِب العُليا،
فامتَطى الحُكَّام سُمعتَهُم، واستغلُّوا مكانتَهُم، وقرَّبوهُم إليهم، وفتَحوا
عليهِم أبواب السَّخاء والرَّفاه، ثُمَّ سخَّروهُم لمطامِعهِم، وجعَلوهُم أبواب دعايَةٍ
لهُم، يُسبِّحون بحَمدِهِم، ويستُرون عُيوبَهم، ويُضْفون عليهِم المَساحِيق
البرَّاقَة، ولو وقَعوا في أحضان الصَّهيونيَّة، وأعداء الله، وأقاموا معَهم جُسور
الودّ، ومُعاهَدات الذُلّ والاستِسلام، وسمَحوا بإقامَة قواعِد الاحتِلال
والاستِعمار الحديث،
حتَّى
تجرَّأ أحَد الكُتَّاب بأن يُسمِّيهِم ((كِلاب حِراسَة
للسَّلاطِين)) يقِفون
بجانِب الظَّلَمة، ويُدافِعون عَن الظَّالِمِين، ويتقرَّبون مِنهُم، ويطلبون
رِضاءَهُم، ويُحقِّقون لهُم أغراضَهُم وأهدافَهُم، ثُمَّ يخضَعون لأوامِرهِم
وتوجِيهاتِهِم، ويَحتجُّون بالسِّياسَة الشَّرعيَّة ومُجاراة الظُّروف، وقَد
حصَروا الدِّين في بوتَقَةٍ صغيرَةٍ، أذِن لهُم بسادَتُهم بِها، وفتَحوا للنَّاس
نافِذةً ضيِّقةً للشَّرع، طلَبَها مِنهُم الأعداء، لتَتحدَّد الرُّؤيَة للمُسلِم
مِن خِلالِها.
ولَم يقِف
كِلاب الحِراسَة عِند هذا الحَد، بل كانُوا يتجرَّؤون على الله والشَّرع والدِّين
ليُلبُّوا نزَوات الحُكَّام، ويُنفِّذوا مُخطَّطات الأعداء، فأنْ اتَّجه حاكِمٌ
جبَّار ضِدَّ جماعَةٍ أسرعوا بإعلان التَّكفير لَها، وخُروجِها عَن الإسلام،
ليُسهِّلوا لَه البَطش والنَّيل مِن الدِّين وأهلِه، وإن اتَّجه حاكِمٌ مارِقٌ إلى
الرِّبا ومُؤسَّساتِه تقدَّموا بالفَتاوَى الباطِلَة إلى إباحَة الفائِدة،
والمُعامَلات المصرِفيَّة الرَّبويَّة، وشهادات الاستِثمار، والادِّخار الرّبوي،
واليانصيب المَوْسوم – زُوراً وكذِباً – بالخَيْري، وإذا اتَّجَه حاكِمٌ عميلٌ إلى
مُولاة الكُفَّار، واستِدعاء جيوشِه الجرَّارَة، وقوَّاته الجبَّارة لقَتل
المُسلمِين، عقَدوا المُؤتَمرات والنَّدوَات للتَّأييد والتَّبرير والتَّسويغ،
ليُقدِّموا أكثَر مِن المَطلوب، ويتجاوزوا غيْر المُتوقَّع، ويذرُّوا الرَّماد في
العُيون، ويَصرِفوا الأنظار عَن الحقائِق المَكشوفَة والمُعلنَة والخفيَّة،
ابتِغاء مَرضاة الحُكَّام، وكَسْب الثِّقة عِندهُم، ونَيْل الحظْوَة التَّافِهة في
صُفوفِهم، والاطمِئْنان على مراكِزِهم ومناصِبِهم، ينتظِرون الإشارَة ليُحوِّلوها
إلى حرَكةٍ وعاصِفةٍ، ويَنَعون بالغايَة الوَضِيعَة ليُترجِموها باسم الدِّين
وأدلَّتِه إلى أهدافٍ ربَّانيَّةٍ، بَل استِعماريَّةٍ.
وهُنا
أيضاً يُطِلُّ علينا العِز بن عبدالسَّلام مِن قَبرِه، وتُنادينا رُوحُه، وتُذكِّرنا
سيرتُه، ليُشفِق على العُلماء و ((رجال الدِّين)) ليُذكِّر مَن
كان له قَلبٌ أو ألْقى السَّمع وهو شهيد، وأنَّ حُكَّام زمانِه لَم ينالوا مِنه ذرَّةً
إلَّا ممَّا كتبَه الله تعالى، وآجَره عليه، وأنَّ التَّاريخ لمْ يُغفِل اسمَه، بل
سجَّله بمِداد مِن نورٍ مُشِعٍّ، وضِياءٍ مُستمِرٍّ لأجيال الدُّنيا، ولَه الجَزاء
الأوْفى في الآخِرَة.
ومَع ذلك
فلَم يَخْل هذا الزَّمن مِن أمثال العِز، مِن العُلماء العامِلِين، والدُّعاة
المُخلِصين، الَّذين قدَّموا أنفَسهم رخيصَةً في سبيل الله، فطالتْهُم أعواد المشانِق،
وشُرِّد معظَمهم في بِلاد الله الواسِعَة، وحُبِس كثيرٌ مِنهم، وطُردوا مِن
الوظائِف، ولا يزال العُلماء يُلاحِقونَهُم ويُطاردونَهم، ويسعون للفَتْك بِهِم،
والله مِن ورائِهم، ولا بُدّ للحَق أنْ ينْجَلي، ولا بُدّ للباطِل مِن زَوالٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق