الخميس، 13 أغسطس 2020

مختارات واقتباسات من كتاب: [ أناشيد الإثم والبراءة ] لـ/ د. مصطفى محمود

 مختارات واقتباسات من كتاب : [ أناشيد الإثم والبراءة ]

المؤلِّف: د. مصطفى محمود.
                       عدد الصَّفحات: ( 94 ) صَفْحَة.       الطَّبعة: الأولى، 1434هـ - 2013م.             النَّاشر: مكتبة مصر.

- ما هي علامات الـحُبّ؟ وما شواهِده؟

أنْ يكون القُرب من المحبوبة أشبه بالجُلوس في التَّكييف في يوم شديد الحَرارة وأشبه باستشعار الدِّفء في يومٍ باردٍ.

هي الأُلفَة ورفع الكُلفة، وأنْ تجِد نفسَك في غير حاجةٍ إلى الكذب... وأنْ يُرفَع الحرَج بينكما، فترى نفسك تتصرَّف على طبيعتك دُون أنْ تُحاوِل أنْ تكون شيئاً آخَر لتُعجِبَها.

وأن تصمُتا أنتُما الاثْنان فيحلو الصَّمت، وأن يتكلَّم أحدكُما فيحلو الإصغاء.

وأنْ تكون الحياة معاً هي مطلب كُلٍّ مِنْكما قبل النَّوم معاً... وألَّا يُطفِئ الفِراش هذه الأشواق ولا يُورِث الملَل ولا الضَّجَر وإنَّما يُورِث الرَّاحة والمودَّة والصَّداقَة.

وأنْ تخلو العَلاقة مِن التَّشنُّج، والعصبيَّة، والعِناد، والكِبرياء الفارِغ والغيرة السَّخيفة، والشَّكّ الأحمَق، والرَّغبة في التَّسلُّط؛ فكُلّ هذه الأشياء مِنْ علامات الأنانيَّة، وحُبّ النَّفْس، وليست مِنْ علامات حُبّ الآخَر.

وأن تكون السَّكينة والأمان والطَّمأنينَة هي الحالة النَّفسيَّة كُلَّما التقيْتُمَا.

وألَّا يَطُول بينَكُما العِتاب، ولا يجد أحَدكما حاجَةً إلى اعتِذار الآخَر عِند الخَطأ، وإنَّما تكون السَّماحَة، والعفو، وحُسْن الفهم هي القاعِدة.

وألَّا تُشبِع أيّكُما قُبلَةٌ أو عِناقٌ أو أيّ مُزاوَلةٍ جِنسيَّةٍ، ولا تعود لكما راحةٌ إلَّا في الحياة مَعاً والمسيرَة معاً وكِفاح العُمر معاً. ص3-4

- أهُو موجودٌ ذلك الحُبّ؟ وكيف نعثُر عليه؟

موجودٌ ولكن نادرٌ... وهو ثمَرة توفيقٍ إلهيٍّ، وليس ثمرَة اجتهادٍ شخصيٍّ.

وهو نتيجة انسجام طبائِع يُكمِل بعضها البعض الآخَر، ونفُوسٌ مُتآلفةٌ مُتراحِمةٌ بالفِطرة.

وشرط حُدوثه: أنْ تكون النُّفوس خيِّرَةٌ أصلاً، جميلةٌ أصلاً.

والجَمال النَّفسيّ والخير هو الـمِشكاة الَّتي يخرج مِنها هذا الـحُبّ. ص4

- وإذا لم تكُن النُّفوس خيِّرةً فإنَّها لا تستطيع أنْ تُعطِي، فهي أصلاً فقيرةٌ مُظلِمةٌ ليس عندها ما تُعطِيه.

ولا يجتمع الـحُبّ والجريمة أبداً إلَّا في الأفلام العربيَّة السَّخيفة الـمُفتعَلة...

أمَّا الحـُبّ فهو قرين السَّلام، والأمان، والسَّكينة، وهو رِيحٌ مِن الجنَّة، أمَّا الَّذي نراه في الأفلام فهو نفْث الجحيم. ص4-5

- ذلك هو الـحُبّ في كلمةٍ واحِدةٍ: التَّناسُب، تَناسُب النُّفوس والطَّبائع قبل تناسُب الأجسام والأعمار والثَّقافات. ص6

- وقد يطغَى عامل الخير على التَّناسُب، فنرى الرَّسول مُحمَّداً – عليه الصَّلاة والسَّلام – يتزوَّج بمَن تكبُره بخمسةٍ وعشرين عاماً... ويتزوَّج بمَن تصغُره بأربعين عاماً... فتحبّه الاثنَتان ((خديجة)) و((عائشة)) كُلّ الـحُبّ، ولا تَناسُب في العُمْر ولا في الثَّقافة بينهما فهو النَّبيّ الَّذي يُوحَى إليه، وهُما مِنْ عامَّة النَّاس.

ونراه يتزوَّج باليَهوديَّة ((صفيَّة)) صبيحة اليوم الَّذي قَتل فيه جيشه زوجَها وأباها وأخاها وشباب قومها... فكيف حدَث هذا ولا تناسُب وإنَّما أحقادٌ وأضغانٌ وثاراتٌ؟

إنَّه الخير، والخُلُق الأسمى، في نفْس الرَّسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم هو الَّذي قهر الظُّلْمة، وهو الَّذي حقَّق الـمُعجِزة دون شُروطٍ...

إنَّه النُّور الَّذي خرَج مِن مِشكاة هذا القلب الـمُعجِز فصنع السِّحر، وأسَر القُلوب، وطوَّع النُّفوس حتَّى مع الفوارِق الظَّاهرة، وعدم التَّناسُب، ومع الأضغان والأحقاد والثَّارات. ص6-7

- إذا شاء الله أنْ يرحَم أحداً، فمَنْ ذا الَّذي يستطيع أنْ يمنَع رحمتَه؟

والـحُبّ سِرٌّ مِنْ أعمَق أسرار رحمته. ص8

- ملفوفٌ أنا بين ذِراعَيْكِ يا حبيبتي

ذِراعاكِ مسْكَني وغُرفتي

وصدرُك أُرجوحتي

وخدَّاكِ وِسادَتي وبُردتي

وعيناكِ إغفاءَتي وراحَتي

وكفَّاكِ ظُلَّتي وواحتي

يا ضِحكتي، ودَمعتي

ودُميَتي، ولُعبتي

يا وطَني، يا أُمِّي، يا طِفلتي. ص9

 

- في حُضورِك، تكلَّم الصَّمتُ

وبين يدَيْك، توقَّف الزَّمنُ

وأصبح الماضي والحاضِر والـمُستَقبَل هو الآن. ص10

- ذلك هو وُجودنا معاً يا حبيبتي

يجعَل كُلّ شيءٍ يَنطِق. ص11

- حبيبتي، ماذا شرِبنا...؟

وماذا سَكَبْتِ لي في الكأس...؟

لا شيء سِوى قَطراتٍ مِنْ نُور عَيْنيك، وذَوْبِ قلبِك

إلهي، أيُّها القادِر على كُلّ شيءٍ...

كيف يشرَب النَّاس الخمْر، وفي قُلوبِهم كُلّ هذا الرَّحيق؟ ص11

- واخَوْفِي مِنْ عِلم ربِّي بالسَّرائِر!

ويلَنا ظلَمنا نفْسَنا!

هلكْنا مِن اليوم لا نَجاة

إنْ لم نَفُز بمَغفِرة

يا ضَيْعَة العُمر إنْ لم نفُز بمَغفِرة!

بل، لا ييْأس مِنْ روح الله إلَّا الكفَرة. ص12

- إلهي، يا منبَع جميع الأنوار

تُرَى مَنْ نُحِب حِينما ننظُر إلى بعضنا البعض...؟

و هل نُحِبّ إلَّا نُورَك أنت وأثَر يَدَيْك على الصِّلصال؟ ص13

- إنَّما هو أنت وحدَك المحبوب أيْنَما توجَّه قلب مُحبٍّ... وأنت وحدَك المعبُود أينما توجَّهت نظرات عابِدٍ.

وأنت وحدَك الرَّازق وإنْ تعدَّدت الأيدي الَّتي تُعطِي.

إنَّما تستِمِدّ جميع المصابيح نورَها مِنْ نُورِك. ص14

- ياربّ، سألتُكَ باسمِكَ الرَّحمن الرَّحيم أنْ تُنقِذَني مِنْ عيْنِي، فلا تُريني الأشياء إلَّا بعينكَ أنت، وتُنقِذَني مِنْ يَدِي فلا تأخذني بيَدِي بل بيَدِكَ أنت تجمَعني بها على مَنْ أُحِبّ عِند موقِع رِضاك. ص15

 

- اسْتَحلَفتُكَ بضَعْفي وقُوَّتِكَ.

وأقْسمْت عليك بعَجْزي واقْتِدارِك.

إلَّا جعَلتَ لي مخرجاً مِنْ ظُلمَتي إلى نُوري، ومِنْ نوري إلى نُورِكَ سُبحانَك...!

لا إله إلَّا أنت.

لا إله إلَّا الله. ص16

- ومأْساة الزَّمَن... أنَّه لا يُوجَد لحظةٌ فيه تتكرَّر مرَّتَيْن... وإنَّما هو نهرٌ دائِم الجرَيان يتغيَّر فيه الماء باستمرارٍ وبلا توقُّفٍ. ص24

- والويْل لنا مِنْ أنفُسنا الأنانيَّة حينما تطلُب كُلّ شيءٍ ولا يُرضِيها أيّ شيءٍ ولا يُشبعها أيّ شيءٍ... حينما تُصبح نفس كُلٍّ مِنَّا هي جحيمه الأبديّ الَّذي لا خَلاص مِنه ولو بالموت. ص25

- يبدَأ الحلّ حينما يتجاوَز الإنسان نفسَه، ويعلو عليها باحِثاً عن الأسْمَى والأرْفَع.

حينذاك يكون هُنالك أملٌ... مهما اختلَفت التَّصوُّرات في هذا الهدَف الأسمَى الَّذي نتجاوَز أنفُسنا طلباً له. ص36

- الَّذي اختلَف وتخلَّف وتوقَّف وتعثَّر وهلَك هو الَّذي لم يطلب سِوى نفسِه فبدَأ مِنْ نفْسِه وانتهى عِند نفْسِه.

ومثله لا يفيق مِنْ هذه القوْقعَة الَّتي أغلقتها عليه شهواته إلَّا لحظَة الموت حينما يكتشف أنَّه عبَّأ الهواء في جوالات، وجمع الفراغ في حقائِب، وأنَّه لم يجمع شيئاً سِوى العدَم...

وهو اكتِشافٌ إذا تأخَّر إلى لحظة الموت فقد جاء بعد فوات الأوان. ص36-37

- برغْم غِنى الأغنياء وفقْر الفُقراء فمحصولُهم النِّهائي مِن السَّعادة والشَّقاء الدُّنيويّ مُتقارِبٌ.

فالله يأْخُذ بقَدْر ما يُعطِي، ويُعوِّض بقَدْر ما يَحرِم، ويُيَسِّر بقدْر ما يُعَسِّر... ولو دخَل كُلٌّ مِنَّا قلب الآخَر لأشفَق عليه، ولَرأى عدْل الموازِين الباطنيَّة برغْم اختِلال الموازِين الظَّاهريَّة... ولمَا شعَر بحَسدٍ، ولا بحِقدٍ، ولا بزهْوٍ، ولا بغُرورٍ. ص39

- فالعَذاب ليس له طبقةٌ وإنَّه هو قاسمٌ مُشتَركٌ بين الكُلّ... يتجرَّع مِنه كُلّ واحدٍ كأْساً وافيةً ثُمّ في النِّهاية تتَساوى الكُؤوس برغْم اختلاف المناظِر، وتبايُن الدَّرجات والهيْئات. ص40

- إنَّما الدُّنيا امتحانٌ لإبراز المواقِف... فما اختلَفت النُّفوس إلَّا بمواقِفها وما تَفاضَلت إلَّا بمواقِفها. ص41

- وأهْل الله في راحةٍ لأنَّهم أسلموا إلى الله في ثِقةٍ، وقبِلوا ما يُجرِيه عليهم، ورأوا في أفعاله عدْلاً مُطلَقاً دُون أنْ يُتعِبوا عُقولَهم، فأراحوا عُقولهم - أيضاً - فجمَعوا لأنفُسهم بيْن الرَّاحَتيْن: راحَة القلْب، وراحة العَقل، فأثمَرت الرَّاحَتان راحةً ثالِثةً: هي راحَة البَدَن. ص42

- أمَّا أهْل الغَفلَة - وهُم الأغلبِيَّة الغالِبة – فما زالُوا يَقتُل بعضُهم بعضاً مِنْ أجْل اللُّقمَة، والمرأة، والدِّرهم، وفدَّان الأرض، ثُمّ لا يجمَعون شيئاً إلَّا مزيداً مِن الهُموم، وأحمالاً مِن الخَطايا وظمأً لا يَرتوِي، وجُوعاً لا يَشبَع. ص42

- أسباب الانتِحار تنتهي إلى سببٍ واحدٍ: إنَّنا أمام إنسانٍ خابَت توقُّعاته، ولم يَعد يجد في نفسِه العزم أو الهمَّة أو الاستعداد للمُصالَحة مع الواقِع الجديد، أو الصَّبر على الواقع القديم.

إنَّها لحظَة نَفاد طاقةٍ، ونفاد صبرٍ، ونفاد حِيلةٍ، ونفاد عزمٍ. ص44

- لحظَة الانتِحار تَتضمَّن بالضَّرورة الكُفر بالله وإنكارِه، وإنكار فضلِه، واليأْس مِنْ رحمته، واتِّهامِه في صَنعتِه وفي عدْله، ورفض أيادِيه، ورفض أحكامِه، ورفض تدخُّله.

فهي لحظَة كِبْرٍ وعُلوٍّ وغطرَسةٍ واستِبدادٍ.

وليْست لحظَة ضعفٍ وبُؤْسٍ وانكِسارٍ. ص45

- لا يجوز عِند الـمُؤمِنين تعلُّقٌ إلَّا بالله، فهو وحدَه جامِع الكَمالات، الدَّائم الباقي الَّذي لا يتغيَّر، ولا تَخيب عِنده التَّوقُّعات، ولا تَضيع الآمال.

والله هو المحبوب وحدَه على وجْه الأصالَة، وما نُحِبّ في الآخَرين إلَّا تَجلِّياته وأنواره، فجَمال الوُجوه مِنْ نورِه، وحَنان القُلوب مِنْ حنانِه. ص47

- ولو أنَّه [الرَّجل] رأى جمالَها [ليْلاه ومعشوقَته] مِنْ خالِقها لأحَبّ فيها إبداع صَنعَة الصَّانِع، ولكان مِنْ أهل التَّسبيح الَّذين يقولون عند رُؤية كُلّ زهرةٍ: الله... فإذا رأوْها في آخِر النَّهار ذابِلةً، قالوا حقّاً: لا إله إلَّا الله... فحبُّهم لله وفي الله، وروابِطُهم روابط مودَّةٍ ومعروفٍ لا مقصَد لها ولا غرَض ولا توقُّعٍ. ص48

- لا يوجَد وهمٌ يبدو كأنَّه حقيقةٌ مِثل الحُبّ...

ولا حقيقةٌ نتعامَل معها وكأنَّها الوهم مِثل الموْت. ص51

- وهكذا لا يرَى العارِف أينما تولَّى إلَّا وَجه الله... وهو دائِم الهمْس: الله... الله... الله.. وهو ناظِرٌ دائماً إلى الظَّاهر وليس إلى الـمَظاهِر... ناظرٌ إلى الله الظَّاهر في كُلّ شيءٍ... لا يَطرف... مُتعلِّقٌ بالـمَعاني وليس بالأوانِي. ص53

- وتِلك هي العقليَّة الاستمتاعيَّة السَّائدة اليوم في عالَمٍ وثنيٍّ، أصنامه اللَّذَّة والهوَى... مَعبود كُلّ واحدٍ نفسه، وكِتابه رأيه، ودُستوره مَصلحته. ص54

- والحال في الأُمم الـمُتخلِّفة والنَّامية أسوأ ممَّا هو في الأُمم الـمُتقدِّمة... وهي أُممٌ مجموعِها أحياناً (( حاصِل طَرح أفرادِها )) وليس حاصِل جمعِهم، لأنَّهم مُنفَرِطون مُنقسِمون مُتباعِدون كالـجُزر التَّائهة في البحر... يضرِب بعضُهم بعضاً... وعزمُهم مُستَهلَكٌ... وقُوَّتُهم لا شيء..

يتحدَّثون عن الوِحدة.

ولا وِحدة إلَّا بالواحِد. ص55

- هل يُمكن أنْ نكون مِصداق الآية:

{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }؟

وفي هذا الإطار نُحِب، وفي هذا الإطار نكرَه... فنبذُل الـمُروءَة والمعروف والمودَّة للجميع، ولا يكون لنا تعلُّقٌ، ولا يكو لنا حُبٌّ إلَّا الله وبالله وفي الله. ص55

- إنَّما خلَق الله الغِواية لامتِحان القُلوب... وليعرِف الكِبار أنفسَهم وليعرف الصِّغار أنفُسهم مِن البداية. ص56

- إنَّه الرَّبّ لا ربّ سِواه... وقد اقتضَت رحمته أنْ يقسو أحياناً على بعض خلقِه ليُصلِحهُم. ص61

- مَنْ مات وفي نفسِه شَهوةٌ لم يغلِبها فقد مات وللنَّار فيه نصيبٌ... ففي الآخِرة تُنتَهك الأسرار، وتَنكشِف الأستار، وتَظهَر الخبايا، وتُفتَضح الحنايا، وتبدو النُّفوس على ما هي عليه في حَقيقتها: إنْ كانت نوراً فنور، وإنْ كانت ناراً فنار. ص64

- فمَنْ عاش عُمره الـمَديد ولم يزدَد خِبرةً، ولم يَكتَسب حِكمةً، ولم يُجاهِد نقصاً وخرج مِن الدُّنيا بِلا توبةٍ وهو ما زال مغلوباً بشهواته، مُنقاداً لنارِه، فهو إلى النَّار ذاهِبٌ... فهُو والنَّار كِلاهُما مِنْ مَعدنٍ واحدٍ. ص65

- إنَّ الله يَذكُرهم في قُرآنه فيَنسِب حسَدهم إلى أنفُسهم فيقول: { حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم }.

فالله يَخلق القلب مُحايداً صالِحاً لأنْ يحتوي نيَّة صاحِبه: إنْ كانت خيراً فخير، وإنْ كانت شرّاً فشر، والله جعل النِّيَّة حُرَّةً والـمُبادَرة القلبيَّة حُرَّةً تماماً حتَّى الشَّيطان لا يستطيع أنْ يدخُل القلب إلَّا بإذن صاحبه... لم يجعل الله للشَّيطان سُلطاناً قاهراً على القُلوب فقال له: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }. ص66

- كُلّ نفسٍ هي الَّتي أسرَّت وكتَمت وأخفَت في طويَّتها هذه الشُّرور أو الخيْرات: { وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }.

لم يقُل ( خلَق ما تكتُمون )... بل قال ((مُخْرِجٌ)) ما كُنتم تَكتُمون فهو ليس مسئُولاً عن حسَد الحاسِد وعن حِقد الحاقِد... و إنَّما هو مُخرِج ومُظهِر هذه الأشياء فقط بما يُجرِيه علينا في الدُّنيا مِن اختبارٍ وابتِلاءٍ، وتقليبٍ في الأحوال... ولكنَّه لم يخلُقها في نُفوس أصحابِها.   ص66-67

- ذلِكم الله، فطُوبَى لمَنْ أدركه الخوف.

وطُوبَى للذَّاكِرين الموْت...

الباكِين في ساعات الوِحدَة.

الـمُشفِقين مِنْ يوم اللِّقاء.

الَّذين رأو النَّار في نُفوسِهم قبل أنْ يَروْها رأْي العيْن.

الَّذين استشفُّوا الحقائِق، واستَبْصروا الغيْب، ولمسوا الشَّواهِد، وأدرَكوا الآيات، وأيْقنوا قَبل زمان الإيقان.

أهل التَّسليم والخُشوع لله.

اللَّهم اجعَلنا مِنهم. ص68

- وحيثُما يُشرِق وجه الله تتنوَّر المظاهِر، ويُورِق الشَّجر، ويتفتَّح الزَّهر، ويجود الثَّمَر، ويبتسِم الوِلدان، وتهفُو قُلوب العُشَّاق إلى مَنْ تعلَّقت به النِّعمة وتجلَّى فيه الجُود. ص69

- نَنْسَى كُلّ هذا ونتوقَّف عند اللَّحظَة، ونتجمَّد عند القَدّ والخدّ والخصْر والنَّهد... وننسى مصدَر الوُجود فينسانا صاحِب الفضل، ويَشِيح عنَّا بوجهِه الكريم فتسقُط الأوراق وتذبُل الأزهار، ويَصفَرّ الاِخضِرار ويمتنِع الإثمار، ولا يبقى في الغُصن إلَّا عُروق الخشَب العِجاف، لا ماء فيها ولا رحمَة ولا مودَّة ولا حَنان... فيُذيقنا الله الهجْر ونحن في القُرْب، ويُرينا خيبة الأمل ونحن في ذروَة العمل، ويختِم لنا بالخُذلان ونحن في غفلَة الهيمان. ص70

- إنَّما الحياة بجوعِها.

وشجَرة الأُنوثَة بربيعِها وخريفِها.

والزُّهور بتفتُّحِها وذُبولِها.

والشَّمس بطُلوعِها وأُفولِها.

كُلّها رُموزٌ تتكلَّم بلِسان الحال..

بأنَّها كُلّها قُصاصاتٌ وعيِّناتٌ وعُبوَّاتٌ صَغيرةٌ تُشير إلى عالَمٍ آخَر فيه النَّماذج الـمُثلَى والكَمالات والأُصول لكُلّ هذا الَّذي نرَى أمامَنا في صُندوق الدُّنيا... وكأنَّما يضَع لنا الطَّاهي قطرَةً في ملعَقةٍ ويقول لنا ذُوقوا.

و الحكيم هو الَّذي يذوق ويقول: الله... ما أحلى الطَّهو! يذوق فقَط ولا يُفكِّر في أنْ يجلِس ليأكُل... لأنَّه يعلَم أنَّ الدُّنيا مُناسَبةٌ للتَّعرُّف... وعيِّناتٌ للذّوّاق.. ص72

- مَن قَطع حَبل الاتَّصال، وعاش حياة الانفِصال ولم يعرف لذَّة الوِصال، وانشغَل عن الحقيقة بعالَم الأوهام، وتعلَّقت هِمَّته بالصّغار، فذلك حظُّه البقاء في النَّفق الـمُظلِم، ونصيبه الإبعاد والإهباط مِن نفقٍ مُظلمٍ إلى نفقٍ آخَر أشدّ إظلاماً و لا نِهاية. ص73

- مَنْ يتلفَّت حوله في الدُّنيا ويتأمَّل عجائِب صَنعة الله وغرائِب آياتِه يُمكِن أنْ يتصوَّر كم يُمكِن أنْ يكون مُذهِلاً ومُدهِشاً ذلك العالَم الكامِل عالَم الـمَلكوت الَّذي صنَعه نفْس الصَّانع ووعَد به أحبَّاءه.

إنَّ عظَمة الصَّنعة مِنْ عظَمة الصَّانع.

و ليس أعظم من الله.

فكذلك نعيمُه وكذلك عذابه. ص73

- الولائِم الكاذِبة على مائِدة الدُّنيا، حيث يعلم كُلّ مَنْ يأكُل أنَّه سوف يموت... ومع ذلك يَقتل الغافِلون بعضهم بعضاً على اللُّقمة ويتنازعون على شَربَة الماء. ص74

- لا إله إلَّا أنت.

سُبحانك!

ولا موجود سِواك.

القُرب مِنك يُضيف...

والبُعد عنك يَسلِب...

لأنَّك وحدك الإيجاب الـمُطلَق.

وكُلّ ما سِواك سَلْبٌ مُطلَقٌ. ص77

- ربَّنا ما أتيت الذُّنوب جُرأةً مِنِّي عليك، ولا تَطاوُلاً على أمرِك، وإنَّما ضعفاً وقُصوراً حِينما غلَبني تُرابي، وغلبتني طينتي، وغشيتني ظُلمتي.

إنَّما أتيت ما سبَق في عِلمك، وما سطَّرته في كِتابك، وما قضَى به عدلُك.

ربِّ لا أشكو ولكِن أرجو.

أرجو رحمتَك الَّتي وسِعَت كُلّ شيءٍ أنْ تسَعَني.

أنت الَّذي وَسِع كُرسِيُّك السَّماوات والأرض. ص79

- حِينما تجمَح الشَّهوة لا تُبقِي لصاحِبها حُرِّيَّةً، فهو لا يرَى إلَّا على مرمى ساقَيْن، ولا يَسمع إلَّا على مرمى شفَتَيْن، ولا يعِي حِكمةً، ولا يُبصِر عاقِبةً، ولا يَحفظ عهداً، ولا يَرعَى واجِباً. ص80

- وأيّ لذَّةٍ وأيّ مُقابلٍ فوريٍّ مادِّيٍّ أو حِسِّيٍّ لا يُساوي عقلاً طليقاً وخيالاً مُحلِّقاً، وفُؤاداً مُرفرِفاً، ووُجداناً طاِئراً، وفِكراً مُهاجِراً، وقلباً مُسافراً وأقداماً ساعيةً لا تَحدّ حركتَها حُدودٌ. ص81

- لا شيء يُساوِي الحُرِّيَّة.

وأفضل استِثمارٍ للحُرِّيَّة أنْ تبذُلها لوجه الله فتجعلَها في خِدمة الحقّ والعدل والخير. ص82

- يقول سادَتنا الأكابر: مُنذ أنْ تَفتح عيْنَيْك لتَصحو حتَّى تُغلِقهما لِتنام لا تُعلِّق هِمَّتك بأمرٍ مِن الأُمور الدُّون.

لا تَنم على غِلٍّ ولا تَصْحُ على شَهوةٍ، ولا تَسعَ إلى طمَعٍ، ولا تُسابِق إلى سُلطَةٍ، وإنَّما اجعَل همَّك واهتِمامك في الخير والبِرّ والحقّ والصِّدق، والمُروءَة والمعونَة قاصِداً وجه ربِّك على الدَّوام. ص82

- لا تيْأس مَهما بلَغت أوزارُك، ولا تقنَط مهما بلَغت خطاياك... فما جَعل الله التَّوبة إلَّا للخُطاة، وما أرسَل الأنبياء إلَّا للضَّالِّين، وما جعل المغفِرة إلَّا للمُذنِبين وما سمَّى نفسَه الغفَّار التَّوَّاب العفُوّ الكرِيم إلَّا مِنْ أجْل أنَّك تُخطِئ فيَغفِر. ص83

- قُل بين دُموعِك:

 يا مَنْ عطَفتَ على الطِّين فنفخْت فيه مِنْ جَمالِك وكمالِك.

يا مَنْ أخرجتَ النُّور مِن الظُّلْمَة.

يا مَنْ تَكرَّمتَ على العدَم.

أخرِجني مِنْ كثافتي وحرِّرني مِنْ طينَتي وخلِّصني مِنْ ظُلمَتي وقوِّني على ضعفي، وأعنِّي على نفسي... فلا أحَد سِواك يستطيع أنْ يَفعل هذا... أنتَ يا صانِعي بيَدَيْك. ص84

 - يقول سادَتنا الأكابِر: إنَّ الجِهاد يطُول فلا تتَعجَّل الثَّمَر... فكُلَّما عظُمت الأهداف طال الطَّريق... فلا تَبْرَح الباب... وأطِل السُّجود... وأدِم البُكاء... فإنَّك لا تَطلُب نيشاناً أو جائِزةً و إنَّما تطلب وجْه صاحِب العَرش العظيم.

تطلُب ربَّ السَّماوات.

تطلب العزيز الذي لا يُرام.

وذلك مطلَبٌ لا يبلُغه طالِبٌ إلَّا بعد أنْ يُبتَلى ويُمتَحن ويتحقَّق إخلاصُه. ص84-85

- وكيف تَصعَد إلى السَّماوات إلَّا بعد أنْ تُلقِي بمتاعِك الأرضِيّ وأثقالِك؟ ثُمّ تُلقِي نفْسَك الحيوانِيَّة مِن حالِقٍ... ثُمّ تُلقِي بغُرورِك وأنانِيَّتك وشهواتِك و أطماعِك... و تَتجرَّد مِن دَواعي بشريَّتِك... وتعود كَما خلقَك الله نُوراً مِنْ نُورِه.

حِينئِذٍ تبلُغ الحُرِّيَّة حقّاً. ص85

- ربِّ اجذِبني إليكَ بحَبلِك الممْدُود لأخرُج مِنْ ظُلمَتِي إلى نُورِك، ومِنْ عدميَّتِي إلى وُجودِك، ومِنْ تفرُّقِي إلى جمعيَّتك، ومِنْ هَوانِي إلى عِزَّتِك... فأنتَ العَزيز حقّاً الَّذي لنْ تضرَّك ذُنوبي، ولنْ تنفَعكَ حسَناتي. ص88

- أنتَ أنت وحدَك... وما أرتَضِي مِشوار هذه الدُّنيا إلَّا لدَلالَة هذا الـمِشوار عليْكَ، وما يُبهِرني الجَمال إلَّا لصُدورِه عنْك، وما أقصِد الخير ولا العدْل ولا الحُرِّيَّة ولا الحقّ إلَّا لأنَّها تَجلِّيات وأحكام أسمائِك الـحُسنَى يا مَنْ تسمَّيْتَ بأنَّك الحقّ. ص90-91

-  فليس أفقَر مِنِّي... وهل بعْد العدَم فقْرٌ... وقد جِئت إلى الدُّنيا مُعدَماً وأخرُج مِنها مُعدماً وأجوزُها مُعدَماً؟ زادِي مِنكَ، وقُوَّتي مِنك، ورُؤيَتِي مِنكَ، ونُورِي مِنْك [يا إلهي]. ص91