الأحد، 13 مارس 2016

أمْسِك لسانك!!



 

"أمْسِك لسانك".. "لا تخض في أعراض المجاهدين".. "هم في الخنادق وأنت في الفنادق"... وغير ذلك من العبارات التي تبدء بالانهيال عليك ما إن تتكلم عن فصيل عسكري، وتزداد –أحياناً- إذا كان الفصيل "إسلامي"..



خرج النَّاس في ثورة تنادي بالحريَّة، ورُفِعت الشِّعارات الثَّوريَّة والإسلاميَّة. وتحمَّلوا لأجل ذلك الأهوال وما زالوا..

وبعد كلِّ هذا يأتي من يطلب تكميم الأفواه.. ويصبغ ذلك بصبغة دينيَّة وثوريَّة!!



عاد الصَّحابة من معركة مؤتة إثْر انسحاب تكتيكي مظفَّر، فاستقبلهم بعض أهل المدينة وهم يحثون عليهم التُّراب ويقولون عنهم "الفُرَّار".. كل هذا بحضور سيد البشر محمد –صلَّى الله عليه وسلَّم-، فهل قال لهم: تبّاً لكم أنتم قاعدون في بيوتكم وتشربون الماء البارد، وهم يقاتلون تحت أشعَّة الشَّمس... حاشاه أن يقول ذلك، بل تفاعل مع الحدث وفصل فيه (بل هم الكُرَّار إن شاء الله).

وفي العهد النَّبوي وعهد الخلفاء الرّاشدين كانت تدور النِّقاشات والحوارات حول المجاهدين والقادة، ولم نسمع تعنيفاً ولا تكميماً للأفواه ولا منعاً للنَّقد البنَّاء الهادف.



أيُّ معنى للحريَّة التي هتف بها الشَّعب وضحَّى بالغالي والنَّفيس لأجلها، إن كان بعض من يدَّعي الإسلام والثَّورة يحاول أن يمنعهم حقَّهم في التَّعبير بالتَّرهيب؟!

يريدون أن يمنحوا أنفسهم وأتباعهم حريَّة التَّخوين والتَّفسيق والتَّكفير.. ويستكثرون على النَّاس التَّعبير!!



ختام:

النَّقد حقٌّ مكفول لكل إنسان، طالما التزم النَّاقد بالموضوعيَّة وابتعد عن التَّجريح وكان مبنيّاً على الحقائق..

النَّقد –الحق- بِناء.. ولذا يستفيد منه العُقلاء.


الأربعاء، 9 مارس 2016

معرض الرياض.. فسق وإلحاد!!



 
لا تذهب للمعرض فلا يوجد فيه كتب إسلامية وكلّها كتب فسق وتفسُّخ.. وحتى الإنجيل تجده!! (شاب جامعي، ويعمل في بيع منشورات إسلاميَّة بالمعرض!!)

لا يجوز زيارة المعرض لما فيه من الإلحاد والفسق والفجور... (شاب في المرحلة الثانوية نقلاً عن مدرِّس الدِّين في المدرسة)

هذه مقتطفات سمعتها ليلة ذهابي لأول مرة لزيارة لمعرض الرياض الدولي للكتاب قُبيل سنوات.

دخلت المعرض خائفاً أترقَّب!

واكتشفت بعدها أنني الحمد لله بمكان إسلامي! والكتب الإسلاميَّة تتصدَّر الرفوف، والإقبال كبير عليها وتتصدَّر المبيعات!

وما قيل لي ذهب هباءً منثوراً..



كثير من الأشخاص -مع الأسف- يبنون كلامهم ونصائحهم وآرائهم نقلاً عن غيرهم دون توثُّق.. ولا يحكمون على الأمور بموضوعيَّة بل يُجملِون ويُعمِّمون.. ربَّما لغاية في أنفسهم، أو تحقيقاً لمصالح فئويّة..

كل مكان فيه الصَّالح وما دون ذلك.. فخذ ما يفيدك ودع غير ذلك، وإن نقدَّت فبموضوعيَّة، فهكذا يصنع الإنسان العاقل المسلم..



ختام:

وهبََك الرَّحمن العقل لتستخدمه وتحكم على الأشياء بنفسك.. لا لتعطِّله باتِّباع وتقليد الأشخاص دون هدى..

الأحد، 6 مارس 2016

نحن و هم



 

غداً أوَّل أيام عيد الفِطر..
انطلقنا إلى الملعب حيث كان جَمْع من (بني جلدتنا) بانتظارنا..
وفي أثناء اللعب جرى حوار سريع –لا ندري محتواه- من طرف شخص من (بني جلدتنا) وفتى من (هم) كان عابراً من جهته..
وبعد مدَّة ليست بالطويلة عاد هذا الفتى ومعه عدد ليس بالقليل وبدؤوا بالتَّقدم.. وبدأ رشق الحجارة تمهيداً للاشتباك..
(بنو جلدتنا) أطلقوا لأرجلهم العنان باتجاه المخرج القريب منهم –رغم أنهم الطرف المباشر بالمشكلة-..
ولم يكلِّفوا أنفسهم حتّى النِّداء أو محاولة جلب مساعدة..
ويسَّر الله بعد ذلك انسحابنا..

(الأحداث مرّ عليها ما يزيد عن 12 عاماً)

الاثنين، 4 يناير 2016

بطون جائعة وأموال ضائعة - علي الطنطاوي



بطون جائعة وأموال ضائعة
لـ/ علي الطنطاوي 
(( نشرت سنة 1946م – ومنشورة في كتاب: في سبيل الإصلاح للكاتب ص28-32 ))


ولد لي في هذا الأسبوع مولود جديد، فأهدي إلى أمّه أكثر من عشرين علبة (شكلاطة)، من هذه العلب التي جدّت في دمشق، وصارت (موضة) الوقت، كل علبة منها لعبة كبيرة بأشكال وألوان، ما عرفناها قبل الآن، منها ما هو على صورة طيارة بأجنحتها وذنبها ومحركاتها ودواليبها، ومنها ما هو على شكل عربة بخيولها ولجمها وسائقها، كل ذلك مصوّر مشكّل دقيق الصنعة؛ ومنها ما هو على هيئة سرير فيه فراش ووسادة من الحرير، وفي كل منها قبضة من السكر والشكلاطة وهي ملفوفة بالورق الصقيل الشفاف، معقود عليها شريط من خالص القزّ، لا نقلّ ثمن إحداها عن عشرين ليرة سورية. فلما ذهبنا نفتحها تقطع الشريط وتمزّق الورق. ثم تسلمها منا أولاد الدار، وأبناء الضيوف، لأنها لعب خلقت لهم لا للكبار، فلم تكن إلا أيام حتى تكسرت في أيديهم، وكيف لا تتكسر وهي مصنوعة من قطع الخشب الملون، لا تحتمل صدمة ولا نقرة، وعادت حطباً انتهى به الطريق إلى المدفأة، فاحترقت أربعمائة ليرة كان يمكن أن يشترى بها من (خبز البلدية) عشرون ألف رغيف، ومن الثياب النسائية المستعملة (التي توزعها وزارة التموين) أربعمائة ثوب، ويمكن أن يتزوج بها من الفقراء أربعة رجال. هذا وأنا رجل معتزل الناس لا أديم مواصلتهم، ولا أؤدي حقوقهم، خارج على مواضعاتهم، ثائر على عاداتهم،لا أصنع إلا ما أجده نافعاً معقولاً، ولي من جرأة جناني، ومضاء لساني عاصم من لومهم وتعنيفهم، وهذا هو المولود الثالث لا الأول، فكيف تكون الحال لو كنت من الأثرياء الذين يخالطون الناس، ويقومون بحقوقهم؟ وكيف لو كان المولود صبياً بكراً؟
ففكروا كم ننفق من الأموال في أشياء لا يأتي منها خير، وما في تركها ضرر، ونحن نشكو الفقر والمرض والجهل؟
أعرف رجلاً تزوج فأهدي إليه يوم زفافه، من أصدقائه وصديقاته وأقربائه وقريباته، مائة وست عشرة باقة زهر، ثمن أدناها خمس ليرات، وقد يبلغ ثمن أعلاها العشرين، فحار أولاً أين يضعها، ومن أين يأتي لها بالكؤوس والأواني، ثم بدا له فجعلها حول سرير العروسين، فكان لها منظر رائع خلاب، ثم مرت الأيام ففسدت وجفت فاستأجر رجلاً يحملها ليلقيها في إحدى المزابل!
ألف ليرة تلقى على مزبلة، ونصف الأمة يتضوّر جوعاً!
وأعرف آخر من التجار أبى له سفهه وتبذيره وكفره بنعم الله إلا أن يوزع السكر على نحو خمسمائة مدعوّ لحضور عقد ولده في علب من الفضة في كل منها صحن من البلور، لا أدري من أين جاء بها فما في بلدنا منها، قالوا، إن ثمن الواحدة منها خمس عشرة ليرة، فهذه سبعة آلاف وخمسمائة ليرة، دون باقي المصروفات، في الفرش والزينة والثياب. وإن من نساء هؤلاء النفر من التجار الفجار الأشرار من تشتري المعطف الواحد بألف ليرة، وإذا لم تصدقوا فاسألوا تجار الفرو!
والتبذير في أتراح هؤلاء الأغنياء لا يقل عنه في أفراحهم، فلا تخرج جنازة أحدهم حتى يمشي معها رجال المولوية بقلانسهم التي تشبه علب اللبن، وثيابهم التي تحكي إذا داروا المخاليط الناقصة التي وصفوها لنا في درس الهندسة أيام المدرسة، ولا يمشون حتى يقبض شيخهم الرسم المقرر، خمسمائة ليرة. وأمامالجنازة الآس والحناء، وبعدها حفلة (التنزيلة)، ثم (الصباحية) و (العصرية) وللنساء فيها كسوة خاصية تشترى من أجلها، فلا يصك الميت إلى القبر حتى ينفق عليه إن كان من الموسرين خمسة آلاف ليرة، ما أنفق قرش واحد منها في طاعة الله!
وإن حول كل دار من هذه الدور التي تهدر فيها الأموال لمَساكن فيها ناس مثلنا، من بني آدم، من إخواننا في الدين وفي الوطن وفي اللسان، يشتهون عشر معشارها، أو أقلّ منه، ليشتروا به طعاماً يملأ بطون أولادهم، وثياباً تستر أجسادهم، وإن لهؤلاء الناس (لو عرف الأغنياء!) عيوناً تنظر كعيوننا، وقلوباً تتألم كقلوبنا، ولهم بنون وبنات هم قطع أكبادهم، وهم (على هلهلة ثيابهم ووساخة أبدانهم) أحبّةٌ إليهم أعزة عليهم كعزة أولادنا علينا، وربما كانوا أزكى من أولادنا نفوساً وأطهر، وأذكى عقولاً وأمهر، وكانوا أرضى لله وأنفع للوطن منا، ولكن الفقر عطل قرائحهم، وكفَّ أيديهم، وكبل أرجلهم. إن هؤلاء وإن لم يكن في أعراسهم طاقات الزهر، ولم يكن في جنائزهم مولوية ولا آس، ولم يعرفوا طريق المدارس والملاهي، ولم يزهوا بغالي الثياب، ولم يتمددوا على أرائك السيارات، ولم يعرفوا المشيخة التي يأكلون بها الدنيا بالدين، ولا الزعامة التي يجمعون بها المال بالوطنية، إنهم هم عماد هذا الوطن، وهم جمهرة أهله، هم يزرعون القمح ويقدمونه إلينا ثم يعيشون على الذرة والشعير، وهم يبنون لنا القصور ثم يقيمون في الأكواخ مع البقر والحمير، وهم يصنعون بأيديهم (الشكلاطة) التي لا يذوقونها، ويحيكون الثياب التي لا يلبسونها، وهم يسهرون في الطرقات ليحرسونا ونحن نيام، وهم يمشون إلى الميادين ليدافعوا عن أوطاننا ونحن آمنون، وهم قد دفعوا ثمن الاستقلال مهجهم وأرواحهم، ثم لم يتخذوا من خيراته شيئاً.
إن هؤلاء هم ركن الوطن وعماده، وهم أهله وقطانه، فحرام علينا أن ننساهم ونهملهم! حرام أن تبقى هذه الأموال ضائعة، وهذه البطون جائعة! حرام في دين الله، وفي شرعة الإنسانية، وفي قانون الشرف! فأين المصلحون؟ أين المصلحون؟ أين رجال الجمعيات؟ أين أرباب الأقلام؟
لقد كنت أصْفَح (أعداداً) عتيقة من مجلة الهلال، فوجدت في (عدد) منها أن في بلاد السويد جمعية اسمها (جمعية أمناء الأزهار) عملها جمعُ الأموال التي يشتري بها أهل الميت وأصدقاؤه طاقات الزهور التي تحمل مع الجنازة ثم توضع على القبر، وإنفاقها في بناء مساكن صحية للعمال والفقراء، يسكنون فيها بأجر يسير، وأنها أنشأت (إلى تاريخ ذلك الخبر) نحواً من ألف مسكن.
فلماذا لا يكون فينا رجال مثل رجال هذه الجمعية، يأخذون المال من هنا، فيضعونه هناك، فيصلحون به أخلاق الأمة بإنقاذها من داء التبذير والأثرة والمفاخرة بالباطل، ويدفعون عن أغنيائها حسد فقرائها وبغضاءهم، ويعودون عليها بالخير لها في أجسادها وعقولها وصناعاتها وحضارتها إذ ينفقون هذا المال فيما هو أولى به من وجوه الإصلاح؟
لماذا نأخذ عن الأوروبيين السم وندع الترياق؟
كم ينفق في الشام ومصر والعراق وسائر بلدان هذا الشرق الإسلامي في الزفاف وحفلاته، والمأتم وملحقاته، والأعياد والمواسم وأيام الولادة والختان، فيما لا ينفع أحداً البتة، ولا يعود عليه بعائدة، ولا تناله منه فائدة؟
حتام تهدر الأموال ويراق الذهب، اتباعاً لعادات قبيحة وتقليداً كتقليد القردة، وجمهور هذا الشعب يشكو الفقر والمرض والجهل؟
هل تذهب بشاشة العيد ويمحَّى رواؤه، لو اصطلح الناس فيه على تقديم السكر الملبَّس الوطني بدلاً من الشكولاتة وصرفوا فرق الأثمان في بناء مدرسة أو مستشفى في كل بلد؟
هل يبطل أنس العرس، وتضيع بهجته إذا لم يكن فيه إلا طاقتان من الزهر؟
هل يكتب على العروسين الشقاء الدائم إذا وزعت الحلوى على المدعوّين في قراطيس بدلاً من العلب؟
هل يحرم الميت التقي من نعيم الجنة، ويضاعف على الشقي العذاب إذالم يمش في جنازته رجال الطريقة المولوية التي لا يقول بها عقل ولا نقل، ولا يقرّها شرع ولا طبع؟
فإلى متى نضيع أموالاً نحن اليوم أحوج إليها من كل يوم مضى لأننا في عهد تجديد وبنيان، ولأننا في أول طريق الاستقلال؟
فيا أيها الأغنياء لا تغتروا فإن النعم لا تدور، وإن مع اليوم غداً، وإن بعد الحياة موتاً، وإن بعد الموت لحساباً عسيراً، أمام رب الأرباب الذي خلقكم وخلق الفقراء من طينة واحدة، لم يخلقهم من التراب ويخلقكم من الاسمنت المسلح، ولم يميزكم عنهم إلا بمال أعاركموه ليكون محنة لكم وليطول عليه حسابكم.
ويا أيها المصلحون هذا باب من أوسع أبواب الإصلاح فلجوه بارك الله فيكم إن فعلتم، وأيّدكم.
ويا رب منك أنت التوفيق، فأعط المخلصين مقدرة، وأعط القادرين إخلاصاً، فإننا نشكو إليك شكاة عمر: ضعف التقي وفجور القويّ!