الاثنين، 24 ديسمبر 2018

الفروق الفردية وتطبيقات نبوية

تمهيد:
الإنسان كائن معقَّد وعجيب، فهو حين يولَد يولَد فريدًا في تكوينه وحيدًا في شخصيَّته، ينمو مُحافظًا على فرديَّته ووحدته، مُتوازيًا مع نُموِّه الاجتماعي ككائن حي يتفاعل مع غيره[1]. وهذا مِن سُنن الله، فلقد فضَّل سبحانه النَّاس بعضَهم على بعض؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ [الأنعام: 165].

ويقول أبو حيان التوحيدي: "إنِّي لأعجب مِن ناسٍ يقولون: كان ينبغي أنْ يكون النَّاس على رأيٍ واحدٍ، ومنهاجٍ واحدٍ، وهذا ما يستقيم ولا يقع به نظام.. والعاقل الحصيف يعلم أنَّه لا بُدَّ مِن التَّفاوت الذي يكون به التصالح"[2].

فلقد كان الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ذا رؤيةٍ واضحةٍ في تشخيص صحابته رضي الله عنهم، ومعرفة قدراتهم الفكريَّة والجسميَّة[3]، وكان معلِّم البشريَّة الأوَّل خير المُراعين لهذا الجانب نظرًا وتطبيقًا.

تطبيقات مِن السُّنة النبوية:
أ- اختلاف وصاياه صلَّى الله عليه وسلَّم باختلاف الأشخاص الذين طلبوا مِنه الوصيَّة:
فمِن ذلك: أنَّ رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام قال: (اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)[4]، وأيضًا ما أوصاه النَّبي عليه السَّلام لرجل: (لاَ تَغْضَبْ)، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قال: (لاَ تَغْضَبْ)[5]، وكذلك وصيَّة الحبيب المصطفى: (قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ)[6].

فكان صلَّى الله عليه وسلَّم يُراعي حال المُستَوصي، ويُعطي كل واحدٍ ما يراه أحوج إليه. فشأنه مع السَّائلين كالطَّبيب مع المَرضى، يُعطي كل واحد مِن الدَّواء ما يُناسبه.

ب- اختلاف أجوبته وفتاواه عن السُّؤال الواحد باختلاف أحوال السَّائلين:
ومِن ذلك: اتِّحاد السُّؤال، واختلاف الجواب:
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا)، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ)، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[7].

وعن رجل من خثعم قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الإِيمَانُ بِاللَّهِ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: (ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ)، قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: (ثُمَّ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ)[8].

وفي هذا مراعاة لأحوال السَّائلين، وما بينهم من فروق يجب اعتبارها.

ومن ذلك أيضًا: اختلاف الجواب عن السُّؤال الواحد في قضيَّةٍ واحدةٍ، وربَّما في مجلسٍ واحدٍ:
فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: (لَا)، فَجَاءَ شَيْخٌ، فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ)[9].

ج- اختلاف مواقفه وسلوكه باختلاف الأشخاص الذين يتعامل معهم:
ويوضِّح ذلك ماحكته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَوَّى ثِيَابَهُ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ - فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: (أَلَا أَسْتَحيي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحيي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ)[10].

وأيضًا حديث معاذ رضي الله عنه المشهور: (.. حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: (لاَ تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا)[11].

فأخبر معاذ رضي الله عنه ببعض المبشرات، ولم يأذن له بأن يبشر جمهور الناس مخافة أن يتَّكلوا، وغير ذلك من الأحاديث والوقائع الكثيرة.

د- اختلاف أوامره وتكليفاته، باختلاف مَن يكلِّفهم مِن الأشخاص واختلاف قُدراتهم:
فمن ذلك: في حادثة الهجرة كلَّف أبا بكر بأن يرافقه ويهيئ الأمر للمسير، وعلي بالمبيت مكانه، وأسماء بنت أبي بكر لإحضار الطعام، وكان يُكلِّف خالد بن الوليد بالحرب، وحسان بن ثابت بالشعر... إلخ، فلكلٍّ مُهمَّةٌ حسب ظُروفه وقُدراته.

هـ- قبوله من بعض الأفراد موقفًا أو سلوكًا لا يقبله مِن غيره لاختلاف الظُّروف:
ومثال ذلك: ما رواه طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: (لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ)، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: (لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: (لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)[12]. فراعى حال السَّائل ومكان قدومه، بخلاف ما لو كان السَّائل ممَّن معه في المدينة أو من السَّابقين في الإسلام.


[1] من أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية: نجيب العامر، ج1، ص156.
[2] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج2، ص200.
[3] من أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية: نجيب العامر، ج1، ص156.
[4] سنن الترمذي لأبي عيسى الترمذي، باب: ما جاء في معاشرة الناس (4/ 355) رقم الحديث: 1987.
[5] صحيح البخاري لأبي عبدالله البخاري، كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب (8/ 28) رقم الحديث: 6116.
[6] مسند الإمام أحمد لأبي عبدالله الشيباني، مسند: الكوفيين - حديث سفيان الثقفي (32/ 170)، رقم الحديث: 19431.
[7] صحيح البخاري لأبي عبدالله البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها (1/ 112) رقم الحديث: 527.
[8] الترغيب والترهيب من الحديث الشريف لأبي محمد المنذري، كتاب: البر والصلة وغيرهما (3 /227)، رقم الحديث: 3791.
[9] مسند الإمام أحمد لأبي عبدالله الشيباني، مسند: المكثرين من الصحابة - مسند عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (11/ 351)، رقم الحديث: 6738.
[10] صحيح مسلم لأبي الحسن النيسابوري، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه (4/ 1866) رقم الحديث: 2401.
[11] صحيح البخاري لأبي عبدالله البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: اسم الفرس والحمار (4/ 29) رقم الحديث: 2856.
[12] صحيح البخاري لأبي عبدالله البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (1/ 18) رقم الحديث: 46.



الخميس، 27 سبتمبر 2018

كلاب حراسة السلاطين - د. محمد الزحيلي


رجال الدِّين.. وكِلاب حِراسَة السَّلاطِين
(( مُقتَبس مِن كتاب ( العِز بن عبدالسَّلام ) للدّكتور/ مُحمَّد الزُّحيلي، الطَّبعة الثَّانية - دار القلَم - 1419هـ)). ص184-186

نقول هذا عَن سُلطان العُلماء [العِز بن عبدالسَّلام] في الوَقت الَّذي يكثُر فيه مَن تسمّوا في هذا العَصر برِجال الدِّين، واحتلُّوا المناصِب العُليا، فامتَطى الحُكَّام سُمعتَهُم، واستغلُّوا مكانتَهُم، وقرَّبوهُم إليهم، وفتَحوا عليهِم أبواب السَّخاء والرَّفاه، ثُمَّ سخَّروهُم لمطامِعهِم، وجعَلوهُم أبواب دعايَةٍ لهُم، يُسبِّحون بحَمدِهِم، ويستُرون عُيوبَهم، ويُضْفون عليهِم المَساحِيق البرَّاقَة، ولو وقَعوا في أحضان الصَّهيونيَّة، وأعداء الله، وأقاموا معَهم جُسور الودّ، ومُعاهَدات الذُلّ والاستِسلام، وسمَحوا بإقامَة قواعِد الاحتِلال والاستِعمار الحديث،
حتَّى تجرَّأ أحَد الكُتَّاب بأن يُسمِّيهِم ((كِلاب حِراسَة للسَّلاطِين)) يقِفون بجانِب الظَّلَمة، ويُدافِعون عَن الظَّالِمِين، ويتقرَّبون مِنهُم، ويطلبون رِضاءَهُم، ويُحقِّقون لهُم أغراضَهُم وأهدافَهُم، ثُمَّ يخضَعون لأوامِرهِم وتوجِيهاتِهِم، ويَحتجُّون بالسِّياسَة الشَّرعيَّة ومُجاراة الظُّروف، وقَد حصَروا الدِّين في بوتَقَةٍ صغيرَةٍ، أذِن لهُم بسادَتُهم بِها، وفتَحوا للنَّاس نافِذةً ضيِّقةً للشَّرع، طلَبَها مِنهُم الأعداء، لتَتحدَّد الرُّؤيَة للمُسلِم مِن خِلالِها.
ولَم يقِف كِلاب الحِراسَة عِند هذا الحَد، بل كانُوا يتجرَّؤون على الله والشَّرع والدِّين ليُلبُّوا نزَوات الحُكَّام، ويُنفِّذوا مُخطَّطات الأعداء، فأنْ اتَّجه حاكِمٌ جبَّار ضِدَّ جماعَةٍ أسرعوا بإعلان التَّكفير لَها، وخُروجِها عَن الإسلام، ليُسهِّلوا لَه البَطش والنَّيل مِن الدِّين وأهلِه، وإن اتَّجه حاكِمٌ مارِقٌ إلى الرِّبا ومُؤسَّساتِه تقدَّموا بالفَتاوَى الباطِلَة إلى إباحَة الفائِدة، والمُعامَلات المصرِفيَّة الرَّبويَّة، وشهادات الاستِثمار، والادِّخار الرّبوي، واليانصيب المَوْسوم – زُوراً وكذِباً – بالخَيْري، وإذا اتَّجَه حاكِمٌ عميلٌ إلى مُولاة الكُفَّار، واستِدعاء جيوشِه الجرَّارَة، وقوَّاته الجبَّارة لقَتل المُسلمِين، عقَدوا المُؤتَمرات والنَّدوَات للتَّأييد والتَّبرير والتَّسويغ، ليُقدِّموا أكثَر مِن المَطلوب، ويتجاوزوا غيْر المُتوقَّع، ويذرُّوا الرَّماد في العُيون، ويَصرِفوا الأنظار عَن الحقائِق المَكشوفَة والمُعلنَة والخفيَّة، ابتِغاء مَرضاة الحُكَّام، وكَسْب الثِّقة عِندهُم، ونَيْل الحظْوَة التَّافِهة في صُفوفِهم، والاطمِئْنان على مراكِزِهم ومناصِبِهم، ينتظِرون الإشارَة ليُحوِّلوها إلى حرَكةٍ وعاصِفةٍ، ويَنَعون بالغايَة الوَضِيعَة ليُترجِموها باسم الدِّين وأدلَّتِه إلى أهدافٍ ربَّانيَّةٍ، بَل استِعماريَّةٍ.
وهُنا أيضاً يُطِلُّ علينا العِز بن عبدالسَّلام مِن قَبرِه، وتُنادينا رُوحُه، وتُذكِّرنا سيرتُه، ليُشفِق على العُلماء و ((رجال الدِّين)) ليُذكِّر مَن كان له قَلبٌ أو ألْقى السَّمع وهو شهيد، وأنَّ حُكَّام زمانِه لَم ينالوا مِنه ذرَّةً إلَّا ممَّا كتبَه الله تعالى، وآجَره عليه، وأنَّ التَّاريخ لمْ يُغفِل اسمَه، بل سجَّله بمِداد مِن نورٍ مُشِعٍّ، وضِياءٍ مُستمِرٍّ لأجيال الدُّنيا، ولَه الجَزاء الأوْفى في الآخِرَة.
ومَع ذلك فلَم يَخْل هذا الزَّمن مِن أمثال العِز، مِن العُلماء العامِلِين، والدُّعاة المُخلِصين، الَّذين قدَّموا أنفَسهم رخيصَةً في سبيل الله، فطالتْهُم أعواد المشانِق، وشُرِّد معظَمهم في بِلاد الله الواسِعَة، وحُبِس كثيرٌ مِنهم، وطُردوا مِن الوظائِف، ولا يزال العُلماء يُلاحِقونَهُم ويُطاردونَهم، ويسعون للفَتْك بِهِم، والله مِن ورائِهم، ولا بُدّ للحَق أنْ ينْجَلي، ولا بُدّ للباطِل مِن زَوالٍ.



الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

الأمانة في التصدر للعلم واختيار المعلم

الأمانة في التصدر للعلم واختيار المعلم



أ‌. الأمانة في التصدُّر للعلم:
من الأمانة في العلم ألَّا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلًا له، ولا يذكر الدرس من علمٍ لا يعرفه؛ فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ))[1].

ويقول النووي رضي الله عنه ورحمه: "قال العلماء معناه: المتكثِّر بما ليس عنده بأن يُظهِرَ أنَّ عنده ما ليس عنده؛ يتكثَّر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل"[2]، ويقول ابن حجر رحمه الله ورضي عنه: "وأما حكم التثنية في قوله: ((ثوبي زُورٍ))؛ فللإشارة إلى أنَّ كذب المتحلِّي مثنًى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعط"[3].

وعلى المتصدِّر للعلم والتعليم أن يكون ضليعًا، متمكِّنًا من علمه، مُحيطًا به، لا يقتصر على بعض جزئياته أو بعض مبادئه، وفي هذا يقول التاج السبكي رحمه الله تعالى: "ومن أقبح المنكرات مدرسٌ يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب، ويجلس يُلقيها ثم ينهض، فهذا إن كان لا يقدر إلا على هذا القدر، فهو غير صالح للتدريس"[4].

وفي هذا هوان وذلٌّ للشخص المتَّصف بذلك؛ فقد يفتضح أمرُه، فعن الشبلي رحمه الله، قال: "من تصدَّر قبل أوانه فقد تصدَّى لهوانه"[5]، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه ورحمه قوله: "من طلب الرئاسة في غير حينه، لم يزَل في ذُلٍّ ما بقِي"[6]، ويقول ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: "ومن أدَبِ العَالِم تركُ الدعوى لما لا يُحسنه... وأفضح ما يكون للمرء دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا"[7].

وأقلُّ مفاسد ذلك كما عند ابن جماعة عليه رحمة الله: "أن الحاضرين يفقدون الإنصاف، لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف؛ لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره، أو المخطئ فيزجره"[8]، وفيه تجنٍّ على طلبة العلم، فلم يفدهم شيئًا، وعلى المؤسسة التربوية التي يتبع لها إذ يكون غاشًّا لهم، ولا يحقق الأهداف المرجوَّة؛ ولهذا يُفتي بعض العلماء - كالسبكي وغيره - بحُرْمة راتبه[9].

وقد قال الشاعر الفالي في تدريس مَنْ لا يصلح:
تصدَّر للتدريس كلُّ مُهوِّسٍ 
جهول يُسمَّى بالفقيه المدرِّس 
فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلُوا 
ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كُلِّ مجلس 
(لقد هَزُلَتْ حتى بدا من هُزالها 
كُلاها وحتى سامها كلُّ مُفلِس)[10]

ب‌. اختيار المعلم:
قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذا العِلْمَ دينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذونَ دينَكم))[11].

ولقد عُني علماء التربية الإسلامية بهذا الأمر، فمن ذلك:
    1- الحث على التَّتلمُذ على المشايخ والمعلمين، لا من الكُتُب:
      فالشيوخ أو المعلمون أو المربون هم من ينقلون العلم والعلوم ويحصل منهم التأديب، وهذا ما لا يتأتَّى ممَّن تتلمذ على بطون الكتب فقط؛ قال الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه: "من تفقَّه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام"، وقيل: "من أعظم البلية تمشيخ الصحيفة"؛ أي: الذين تعلَّمُوا من الصحف، واعتبره ابن جماعة رحمه الله بأنه من أضرِّ المفاسد[12].

        2- وضع مواصفات للاختيار:
          ينبغي للطالب وولي أمره أن يقدِّم النظر، ويستخير الله فيمن يأخُذ العلم عنه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وذكر العلماء مواصفات لهذا، فمنها: "وليكن إن أمكن ممَّن كملت أهليتُه، وتحقَّقت شفقته، وظهرت مُروءتُه، وعُرِفت عِفَّتُه، واشتَهرت صيانتُه، وكان أحسن تعليمًا وأجود تفهيمًا... وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمامُ اطِّلاع، وله مع مَن يوثق به مِن مشايخ عصره كثرةُ بحث وطولُ اجتماع"، كما ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى[13].

          ووضع الرَّامَهُرْمُزي رحمه الله أُسسًا للاختيار؛ منها: "العلم الواثق والتخصُّص الدقيق - بما يريد الطالب أن يتخصَّص فيه، مع أمانته العلمية..."[14]، وغير ذلك مما يطول به المقام.

            3- استشارة وسؤال أهل العلم المتمكنين الثقات، والاسترشاد بهم:
              كان الأئمة الكبار يدلُّون طلاب العلم على من يصلح للتعليم، فمن ذلك ما سُئل عنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله: "ما تقول في الأخذ عن سفيان الثوري، قال: ثقة فاكتُب عنه"[15].




              [1] صحيح البخاري؛ لأبي عبدالله البخاري، كتاب: النكاح، (7 /35)، رقم الحديث: 5219.
              [2] النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج14، ص110.
              [3] ابن حجر، فتح الباري، ج9، ص318.
              [4] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج4، ص105.
              [5] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص126.
              [6] (المرجع نفسه).
              [7] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج2، ص307.
              [8] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص127.
              [9] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج4، ص105.
              [10] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص127.
              [11] صحيح مسلم؛ لأبي الحسن مسلم بن الحجاج، المقدمة، باب: في أن الإسناد من الدين (1 /14).
              [12] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص161.
              [13] (المرجع نفسه)، ص146.
              [14] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج2، ص42.
              [15] (المرجع نفسه)، ج1، ص151.




              السبت، 4 أغسطس 2018

              القصص في القرآن الكريم والسنة النبوية


              القصص في القرآن الكريم والسنة النبوية



              أ- القصص في القرآن الكريم:
              القَصَصُ القرآني في اصطلاح العلماء بالقرآن الكريم هو: "إخبار الله عمَّا حَدَثَ للأُمَمِ السابقة مع رُسُلِهم، وما حَدَثَ بينهم وبين بعضهم، أو بينهم وبين غيرهم أفرادًا وجماعات، من كائنات بشريَّة أو غير بشريَّة، بحقٍّ وصِدْقٍ، للهداية والعِظة والعِبْرة"[1]، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ [طه: 99].

              وتتميَّز القصص في القرآن الكريم بأنها كُلُّها حَقٌّ وصِدْقٌ، لا كذب فيه ولا افتراء، ولا مجال فيه للخيال أو الوَهْم أو المبالغة؛ لأنه من كلام الحكيم الخبير؛ قال عز وجل: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ [آل عمران: 62].

              من مقاصد القصص في القرآن الكريم:
              1. الدعوة إلى التوحيد:
              أرسل الله الرسل للدعوة إلى توحيده عز وجل، وأن الدِّين الذي جاء به جميعُ الرُّسُل واحدٌ، وأن المؤمنين كلَّهم أُمَّةٌ واحدةٌ؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

              2. الإخبار عن تاريخ بعض الأمم الماضية:
              وإلقاء الأضواء على حوادث غيبيَّة مهمة جدًّا، لم يكن يَدْرِ بها النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا أحدٌ من قومه؛ قال جل من قائل: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ [آل عمران: 44].

              3. تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما كان يؤلمه ممَّا يُلاقيه:
              بالإخبار بجهود الأنبياء والرسل في سبيل نشر دعوتهم، وصراعهم مع أقوامهم، ومدى استجابتهم لهم وإعراضهم عنهم، ونصر الله لأنبيائه؛ قال تبارك وتعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [هود: 120]، ويدخُل بهذا تثبيت ونفع حركة الحياة الإيمانية[2].

              4. إثبات نبوَّة وصِدْق الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام:
              وما دام عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرَّقُوا من قبل على الرسل من إخوانه، فلا بد أن يُوضِّح سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأُمَّته من بعده أنَّه حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثًا إلى قوم كان موقفهم منه كذا[3].

              5. إثبات عقيدة البعث والجزاء ورفْع الشك عنها:
              ويبدو ذلك واضحًا جليًّا في قصة الذي مرَّ على القرية الخاوية؛ كما قل عزَّ وجل: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [البقرة: 259].

              6. إظهار سُلْطان الله وقدرته وقوَّته القاهرة:
              من حيث بيان القدرة في الإعطاء والمنع والمعجزات وهلاك المذنبين في تعجيل العذاب، كإعجاز ولادة نبي الله عيسى عليه السلام؛ كما جاء في الكتاب العزيز: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ [مريم: 16].

              تَكرار بعض القصص في القرآن:
              توجد بعض الحِكَم من هذا، منها:
              1. بيان أهمية تلك القصة؛ لأن تكرارها يدلُّ على العناية بها.
              2. توكيد تلك القصة لتَثْبُتَ في قلوب الناس.
              3. بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه، وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال[4].


              ب. القصص في السنة النبوية:
              القصة في السنة النبوية التي جاءت على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تسير في نفس مسار القصص القرآني، وتقتفي أثره؛ إذ كلاهما من عند الله، وهي من القصص الحق: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62].
              وكثيرًا ما كان صلى الله عليه وسلم يُعلِّم أصحابَه بطريق القَصَص والوقائع التي يُحدِّثُهم بها عن الأقوام الماضين.

              وتنقسم القصة في الحديث النبوي الشريف إلى[5]:
              1. القصة الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم:
              فهي أحداث وتجارب ذاتية وقَعَتْ للرسول صلى الله عليه وسلم في فترات مختلفة من حياته، وفي ظروف مختلفة أيضًا؛ كقصة الإسراء والمعراج؛ حيث حكى فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم ما حدث له فيها.

              2. القصة التمثيليَّة:
              فهذا النوع يضرِبه الرسول صلى الله عليه وسلم مثالًا للفكرة المطروحة أو القضية المقررة، سواء وقع هذا المثال على أرض الواقع أو لم يقع؛ فالقصة التمثيلية تُصوِّر وقائعَ وأحداثًا قد نتصوَّر وقوعَها وقد تقع على أرض الواقع، ويستسيغ العقل وقائعها؛ كقوله عليه صلوات ربي وسلامه: (( مَثَلُ القائمِ على حُدُودِ اللَّهِ والواقع فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ... ))[6].
              والقصة النبوية وسيلة من وسائل التصوير، ثُمَّ إن التصوير بالقصة من أجمل الأساليب وأعمقها أثرًا في النفس[7].

              3- القصة الغيبيَّة:
              وهي التي تتناول أحداثًا ووقائعَ من صميم الغيب، مستمدَّة من مشاهد الآخرة، وهي غيب سواء وقعت في الماضي البعيد، أو ستقع في المستقبل في نهاية الحياة، وهي بالنسبة للإنسان غيب مجهول، كخبر الدجَّال.
              وهذه الثلاثة أنواع طرحها الرسول المعلم صلى الله عليه بأساليب وطرق مختلفة.
              والمقاصد للقصص النبوية تسير في مسار وسياق القصص القرآني.

              الواقعية في القصص القرآني والنبوي:
              إن القصص القرآنية والحديثيَّة تُمثِّل الصورة الواقعية والعملية التي ترسُم التعاليم القرآنية في مشاهد نابضة بالحياة، وكثير من الناس يرون الحقَّ من خلال الواقع العملي أكثر ممَّا يعرفونه من خلال التعاليم المجردة[8].





              [1] بلبول، عبد الباسط؛ القصص القرآني، ص 36.
              [2] الشعراوي، تفسير الشعراوي، ج1، ص236.
              [3] (المرجع نفسه)، ج5، ص2833.
              [4] ابن عثيمين، محمد؛ تفسير الفاتحة والبقرة، ج1، ص59.
              [5] بنية الزمان والمكان في قصص الحديث النبوي الشريف، سهام سديرة (ص12-13).
              [6] صحيح البخاري لأبي عبدالله البخاري، كتاب: الشركة، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه (3/ 139) رقم الحديث: 2493.
              [7] الصباغ، محمد؛ التصوير الفني في الحديث النبوي، ص 498-499.
              [8] الأشقر، صحيح القصص النبوي، ج1، ص15.