الخميس، 27 سبتمبر 2018

كلاب حراسة السلاطين - د. محمد الزحيلي


رجال الدِّين.. وكِلاب حِراسَة السَّلاطِين
(( مُقتَبس مِن كتاب ( العِز بن عبدالسَّلام ) للدّكتور/ مُحمَّد الزُّحيلي، الطَّبعة الثَّانية - دار القلَم - 1419هـ)). ص184-186

نقول هذا عَن سُلطان العُلماء [العِز بن عبدالسَّلام] في الوَقت الَّذي يكثُر فيه مَن تسمّوا في هذا العَصر برِجال الدِّين، واحتلُّوا المناصِب العُليا، فامتَطى الحُكَّام سُمعتَهُم، واستغلُّوا مكانتَهُم، وقرَّبوهُم إليهم، وفتَحوا عليهِم أبواب السَّخاء والرَّفاه، ثُمَّ سخَّروهُم لمطامِعهِم، وجعَلوهُم أبواب دعايَةٍ لهُم، يُسبِّحون بحَمدِهِم، ويستُرون عُيوبَهم، ويُضْفون عليهِم المَساحِيق البرَّاقَة، ولو وقَعوا في أحضان الصَّهيونيَّة، وأعداء الله، وأقاموا معَهم جُسور الودّ، ومُعاهَدات الذُلّ والاستِسلام، وسمَحوا بإقامَة قواعِد الاحتِلال والاستِعمار الحديث،
حتَّى تجرَّأ أحَد الكُتَّاب بأن يُسمِّيهِم ((كِلاب حِراسَة للسَّلاطِين)) يقِفون بجانِب الظَّلَمة، ويُدافِعون عَن الظَّالِمِين، ويتقرَّبون مِنهُم، ويطلبون رِضاءَهُم، ويُحقِّقون لهُم أغراضَهُم وأهدافَهُم، ثُمَّ يخضَعون لأوامِرهِم وتوجِيهاتِهِم، ويَحتجُّون بالسِّياسَة الشَّرعيَّة ومُجاراة الظُّروف، وقَد حصَروا الدِّين في بوتَقَةٍ صغيرَةٍ، أذِن لهُم بسادَتُهم بِها، وفتَحوا للنَّاس نافِذةً ضيِّقةً للشَّرع، طلَبَها مِنهُم الأعداء، لتَتحدَّد الرُّؤيَة للمُسلِم مِن خِلالِها.
ولَم يقِف كِلاب الحِراسَة عِند هذا الحَد، بل كانُوا يتجرَّؤون على الله والشَّرع والدِّين ليُلبُّوا نزَوات الحُكَّام، ويُنفِّذوا مُخطَّطات الأعداء، فأنْ اتَّجه حاكِمٌ جبَّار ضِدَّ جماعَةٍ أسرعوا بإعلان التَّكفير لَها، وخُروجِها عَن الإسلام، ليُسهِّلوا لَه البَطش والنَّيل مِن الدِّين وأهلِه، وإن اتَّجه حاكِمٌ مارِقٌ إلى الرِّبا ومُؤسَّساتِه تقدَّموا بالفَتاوَى الباطِلَة إلى إباحَة الفائِدة، والمُعامَلات المصرِفيَّة الرَّبويَّة، وشهادات الاستِثمار، والادِّخار الرّبوي، واليانصيب المَوْسوم – زُوراً وكذِباً – بالخَيْري، وإذا اتَّجَه حاكِمٌ عميلٌ إلى مُولاة الكُفَّار، واستِدعاء جيوشِه الجرَّارَة، وقوَّاته الجبَّارة لقَتل المُسلمِين، عقَدوا المُؤتَمرات والنَّدوَات للتَّأييد والتَّبرير والتَّسويغ، ليُقدِّموا أكثَر مِن المَطلوب، ويتجاوزوا غيْر المُتوقَّع، ويذرُّوا الرَّماد في العُيون، ويَصرِفوا الأنظار عَن الحقائِق المَكشوفَة والمُعلنَة والخفيَّة، ابتِغاء مَرضاة الحُكَّام، وكَسْب الثِّقة عِندهُم، ونَيْل الحظْوَة التَّافِهة في صُفوفِهم، والاطمِئْنان على مراكِزِهم ومناصِبِهم، ينتظِرون الإشارَة ليُحوِّلوها إلى حرَكةٍ وعاصِفةٍ، ويَنَعون بالغايَة الوَضِيعَة ليُترجِموها باسم الدِّين وأدلَّتِه إلى أهدافٍ ربَّانيَّةٍ، بَل استِعماريَّةٍ.
وهُنا أيضاً يُطِلُّ علينا العِز بن عبدالسَّلام مِن قَبرِه، وتُنادينا رُوحُه، وتُذكِّرنا سيرتُه، ليُشفِق على العُلماء و ((رجال الدِّين)) ليُذكِّر مَن كان له قَلبٌ أو ألْقى السَّمع وهو شهيد، وأنَّ حُكَّام زمانِه لَم ينالوا مِنه ذرَّةً إلَّا ممَّا كتبَه الله تعالى، وآجَره عليه، وأنَّ التَّاريخ لمْ يُغفِل اسمَه، بل سجَّله بمِداد مِن نورٍ مُشِعٍّ، وضِياءٍ مُستمِرٍّ لأجيال الدُّنيا، ولَه الجَزاء الأوْفى في الآخِرَة.
ومَع ذلك فلَم يَخْل هذا الزَّمن مِن أمثال العِز، مِن العُلماء العامِلِين، والدُّعاة المُخلِصين، الَّذين قدَّموا أنفَسهم رخيصَةً في سبيل الله، فطالتْهُم أعواد المشانِق، وشُرِّد معظَمهم في بِلاد الله الواسِعَة، وحُبِس كثيرٌ مِنهم، وطُردوا مِن الوظائِف، ولا يزال العُلماء يُلاحِقونَهُم ويُطاردونَهم، ويسعون للفَتْك بِهِم، والله مِن ورائِهم، ولا بُدّ للحَق أنْ ينْجَلي، ولا بُدّ للباطِل مِن زَوالٍ.



الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

الأمانة في التصدر للعلم واختيار المعلم

الأمانة في التصدر للعلم واختيار المعلم



أ‌. الأمانة في التصدُّر للعلم:
من الأمانة في العلم ألَّا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلًا له، ولا يذكر الدرس من علمٍ لا يعرفه؛ فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ))[1].

ويقول النووي رضي الله عنه ورحمه: "قال العلماء معناه: المتكثِّر بما ليس عنده بأن يُظهِرَ أنَّ عنده ما ليس عنده؛ يتكثَّر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل"[2]، ويقول ابن حجر رحمه الله ورضي عنه: "وأما حكم التثنية في قوله: ((ثوبي زُورٍ))؛ فللإشارة إلى أنَّ كذب المتحلِّي مثنًى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعط"[3].

وعلى المتصدِّر للعلم والتعليم أن يكون ضليعًا، متمكِّنًا من علمه، مُحيطًا به، لا يقتصر على بعض جزئياته أو بعض مبادئه، وفي هذا يقول التاج السبكي رحمه الله تعالى: "ومن أقبح المنكرات مدرسٌ يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب، ويجلس يُلقيها ثم ينهض، فهذا إن كان لا يقدر إلا على هذا القدر، فهو غير صالح للتدريس"[4].

وفي هذا هوان وذلٌّ للشخص المتَّصف بذلك؛ فقد يفتضح أمرُه، فعن الشبلي رحمه الله، قال: "من تصدَّر قبل أوانه فقد تصدَّى لهوانه"[5]، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه ورحمه قوله: "من طلب الرئاسة في غير حينه، لم يزَل في ذُلٍّ ما بقِي"[6]، ويقول ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: "ومن أدَبِ العَالِم تركُ الدعوى لما لا يُحسنه... وأفضح ما يكون للمرء دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا"[7].

وأقلُّ مفاسد ذلك كما عند ابن جماعة عليه رحمة الله: "أن الحاضرين يفقدون الإنصاف، لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف؛ لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره، أو المخطئ فيزجره"[8]، وفيه تجنٍّ على طلبة العلم، فلم يفدهم شيئًا، وعلى المؤسسة التربوية التي يتبع لها إذ يكون غاشًّا لهم، ولا يحقق الأهداف المرجوَّة؛ ولهذا يُفتي بعض العلماء - كالسبكي وغيره - بحُرْمة راتبه[9].

وقد قال الشاعر الفالي في تدريس مَنْ لا يصلح:
تصدَّر للتدريس كلُّ مُهوِّسٍ 
جهول يُسمَّى بالفقيه المدرِّس 
فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلُوا 
ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كُلِّ مجلس 
(لقد هَزُلَتْ حتى بدا من هُزالها 
كُلاها وحتى سامها كلُّ مُفلِس)[10]

ب‌. اختيار المعلم:
قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذا العِلْمَ دينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذونَ دينَكم))[11].

ولقد عُني علماء التربية الإسلامية بهذا الأمر، فمن ذلك:
    1- الحث على التَّتلمُذ على المشايخ والمعلمين، لا من الكُتُب:
      فالشيوخ أو المعلمون أو المربون هم من ينقلون العلم والعلوم ويحصل منهم التأديب، وهذا ما لا يتأتَّى ممَّن تتلمذ على بطون الكتب فقط؛ قال الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه: "من تفقَّه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام"، وقيل: "من أعظم البلية تمشيخ الصحيفة"؛ أي: الذين تعلَّمُوا من الصحف، واعتبره ابن جماعة رحمه الله بأنه من أضرِّ المفاسد[12].

        2- وضع مواصفات للاختيار:
          ينبغي للطالب وولي أمره أن يقدِّم النظر، ويستخير الله فيمن يأخُذ العلم عنه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وذكر العلماء مواصفات لهذا، فمنها: "وليكن إن أمكن ممَّن كملت أهليتُه، وتحقَّقت شفقته، وظهرت مُروءتُه، وعُرِفت عِفَّتُه، واشتَهرت صيانتُه، وكان أحسن تعليمًا وأجود تفهيمًا... وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمامُ اطِّلاع، وله مع مَن يوثق به مِن مشايخ عصره كثرةُ بحث وطولُ اجتماع"، كما ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى[13].

          ووضع الرَّامَهُرْمُزي رحمه الله أُسسًا للاختيار؛ منها: "العلم الواثق والتخصُّص الدقيق - بما يريد الطالب أن يتخصَّص فيه، مع أمانته العلمية..."[14]، وغير ذلك مما يطول به المقام.

            3- استشارة وسؤال أهل العلم المتمكنين الثقات، والاسترشاد بهم:
              كان الأئمة الكبار يدلُّون طلاب العلم على من يصلح للتعليم، فمن ذلك ما سُئل عنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله: "ما تقول في الأخذ عن سفيان الثوري، قال: ثقة فاكتُب عنه"[15].




              [1] صحيح البخاري؛ لأبي عبدالله البخاري، كتاب: النكاح، (7 /35)، رقم الحديث: 5219.
              [2] النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج14، ص110.
              [3] ابن حجر، فتح الباري، ج9، ص318.
              [4] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج4، ص105.
              [5] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص126.
              [6] (المرجع نفسه).
              [7] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج2، ص307.
              [8] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص127.
              [9] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج4، ص105.
              [10] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص127.
              [11] صحيح مسلم؛ لأبي الحسن مسلم بن الحجاج، المقدمة، باب: في أن الإسناد من الدين (1 /14).
              [12] نشابة، التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات، ص161.
              [13] (المرجع نفسه)، ص146.
              [14] مكتب التربية العربي لدول الخليج، من أعلام التربية العربية والإسلامية، ج2، ص42.
              [15] (المرجع نفسه)، ج1، ص151.