الأحد، 16 أبريل 2017

قصيدة.. وشخصيَّة [ أغار عليك من عيني وقلبي ] ( حفصة بنت الحاج الركوني )



قصيدة.. وشخصيَّة

[ أغَارُ عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي ]
                      ( حفصة بنت الحاج الركوني )


القصيدة ( الأبيات ):

أغَارُ عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي *** وَمِنْكَ ومِنْ زَمانِكَ والمَكانِ
ولَوْ أنِّي جَعَلْتُكَ فِي عُيونِي *** إِلَى يَوْمِ القِيامَة مَا كَفَانِي
وفي رواية: [ عَيْنَي رَقِيبِي ]

الشَّخصيَّة:

* يُنسَب هذان البيتان لـ ( حفصة بنت الحاج الركوني )، (( والركوني: نسبة إلى قرية ( ركونة ) وهي من عمل البشرات في الأندلس )).

* وممَّا جاء في وصفها، وترجمتها:
- شاعِرة أديبَة، مِن أهل غِرْناطَة، مشهورَة بالحَسَب والأدَب والجَمال والمَال، رَقيقَة الشِّعر.
- فريدَة الزَّمان في الأدَب، والظّرف، والحُسن، وسُرعَة الخاطِر بالشِّعر.
- وَلِيت تعليم النِّساء في دار المنصور حفيد أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ونُعِتَت بأنَّها أُستاذَة وقتِها.

* قصَّة حُب:
كان أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي –وكان وزيراً في غرناطة- عاشقاً لحفصة، وكان متِّصلاً بها يتبادلان رسائل الغرام والشِّعر، ولهما أخبار وقصص، ومِن ذلك:
- كان أبو جعفر ابن سعيد يوماً في منزله وقد خلا ببعض أصحابه وجلسائه، فضُرب الباب فخرجت جاريته تنظر مَن بالباب، فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين؟ فقالت: ادفعي لسيِّدك هذه البطاقة، فإذا فيها:
زائر قد أتى بجِيدِ غزال *** طامِعٌ مِن مُحبِّه بالوِصالِ
بلحاظٍ مِن سحر بابلَ صيغَتْ *** ورضاب يفوق بنتَ الدَّوالي
يَفضح الوردَ ما حوى منه خدٌّ *** وكذا الثَّغرُ فاضحٌ للآلي
أتراكم بإذنكُم مُسعِفِيهِ *** أم لكم شاغلٌ مِن الأشغالِ
فما قرأ الرقعة قال: وربّ الكعبة ما صاحب هذه الرُّقعة إلَّا حفصة، فبادر إلى الباب فلم يجدها، فكتب إليها:
أيُّ شغل عن المحبِّ يَعوقُ *** يا صباحاً قد آنَ منه الشُّروقُ
صِلْ وواصِلْ، فأنْت أشهى إلينا *** مِن لذيذ المُنى، فكم ذا نشوقُ؟!
لا وحبَّيك لا يَطيب صبوحٌ *** غبت عنه ولا يَطيب غبوقُ
لا وذلِّ الجَفا وعزِّ التلاقي *** واجتماع إليه عزَّ الطريقُ
- وممَّا كتبته في مدحه:
رأستَ فما زال العِداة بظلمهم *** وحقدِهم النامي يَقولون ما رأَسْ
وهل مُنكرٌ أن سادَ أهلَ زمانِه *** جَموحٌ إلى العَليا نقيٌّ مِن الدنَسْ
- بات معها أبو جعفر في بستان بحوز مؤمل، فلما حان وقت التَّفرِّق، قال:
رَعى الله لَيْلاً لَمْ يَرْع بِمذمم *** عشيَّة وَارانَا بِحوز مؤمّلِ
وقَدْ خَفَقَتْ مِنْ نَحْوِ نَجْد أريجَةً *** إذَا نَفَحَت جاءَت بريا القُرنْفُلِ
وغَرَّد قُمريٌّ على الدَّوحِ وانْثَنى *** قَضِيبٌ مِنَ الرَّيحانِ مِن فَوقِ جَدوَلِ
يَرى الرَّوض مَسْرُوراً بِمَا قَدْ بَدَا لَهُ *** عِناقٌ وضَمٌّ وارْتِشَاف مُقبِّلِ
فقالت:
لَعَمْرُكَ مَا سُرَّ الرِّياضُ بِوصْلِنا *** ولِكنَّهُ أبْدَى لَنا الغِلَّ والحَسَدْ
ولَا صَفَّقَ النَّهْرُ ارْتِياحاً لِقُرْبِنَا *** ولَا غَرَّد القُمْرِيُّ إلَّا لِمَا وَجَدْ
فَلَا تُحْسِن الظَّنَّ الَّذِي أنْتَ أهْلُهُ *** فَمَا هو في كُلِّ المَواطِنِ بالرَّشَدْ
فَمَا خِلْتُ هَذَا الأُفْق أبْدَى نُجُومَه *** لأَمْرٍ سِوَى كَيْمَا تَكونَ لَنَا رَصَدْ
- وقالت في غيرتها عليه:
أغَارُ عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي *** وَمِنْكَ ومِنْ زَمانِكَ والمَكانِ
ولَوْ أنِّي جَعَلْتُكَ فِي عُيونِي *** إِلَى يَوْمِ القِيامَة مَا كَفَانِي
وغير ذلك مِن الأخبار..

ولكن عثمان بن أمير المؤمنين عبد المؤمن - كان والياً على غرناطة حينئذ -، تولَّع بها وتغيَّر بسببها على وزيره أبي جعفر.
وممَّا يُروى في هذا: أنَّ عثمان كان أسود اللَّون، فبلغه أنَّ أبا جعفر قال لحفصة: ما تحبِّين في ذلك الأسود؟! وأنا أقدر أشتري لك مِن السُّوق بعشرين ديناراً خيراً مِنه.
وقد أدَّى ولَع عثمان بها إلى قتل أبي جعفر، ويُروى أنَّ هذا حدَث في عام 559هـ، فحزِنَت عليه ورثته بالمراثي.

* وفاتها:
توفِّيت حفصة بمراكش سنة 586هـ.

###########

*** مستفادة من:
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، ( ج4، ص171-178 ).
- معجم الأدباء، لشهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، ( ج3، ص1182-1185).
- الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، ( ج2، ص264 ).
- شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، لبشير يموت، ( ص215-219).
- الإحاطة في أخبار غرناطة، لمحمد بن عبد الله الغرناطي الأندلسي، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، ( ج1، ص277-280).

الأربعاء، 12 أبريل 2017

قصَّة قصيدَة ( عينيَّة ابن زُريق البغْدادي [ لا تعذليه فإن العذل يولعه .. ] )


قصَّة قصيدَة ( عينيَّة ابن زُريق البغْدادي )
[ لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ *** قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ ]

القصَّة:
أبو الحسن علي بن زريق البغدادي ( المتوفَّى سنة 420هـ )..
كان ببغداد، وكانت له ابنة عم قد كلف بها أشد الكَلَف، ثمَّ ارتحل عنها مِن بغداد لفاقَة علَتْه. فقصد الأندلس، وذهب لأبي عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه، فأراد أبو عبد الرحمن أنْ يَبْلوه ويختبِره، فأعطاه شيئاً نَزَراً، فقال ابن زُرَيق: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! سلَكت البَراري والبِحار والقِفار إلى هذا الرَّجل فأعطاني هذا العطاء النَّزْر؟
ثم تذكَّر فراق ابنة عمِّه وما بينهما مِن بُعد المسافَة وتحمُّل المشقَّة مع ضيق ذات يدِه، فانكسَرت إليه نفسُه واعتَلَّ فمات.
وشُغِل عَنه الأندلسي أيَّاماً، ثم سَأل عنه فخرجوا يطلبونه، فانتهوا إلى الخان الَّذي كان فيه وسألوا عنه، وصعدوا لغرفته فدفعوا الباب، فإذا بالرَّجل ميتاً، وعند رأسه رقعة مكتوب فيها قصيدته:
فلما وقَف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى اخضلَّت لحيته، وقال: ودَدت أنَّ هذا الرَّجل حي وأشاطِره نصْف مُلكي. وكان في رُقعَة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف كذا، والقوم يُعرفون بكذا، فحُمِل إليهم خمسَة آلاف دينار، فوصلت إليهم وعرفوا بموته.


القصيدة:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ *** قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّ بِهِ *** مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً  *** مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ *** فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ *** مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ *** رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ *** مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً *** وَلَو إِلى السَندّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه *** للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ *** رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ  *** لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ
لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى *** مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت *** بَغي أَلّا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ
وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه *** إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ
استَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً *** بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي *** صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً *** وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ *** عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ *** بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ        *** وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا *** شكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ *** كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ
كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ        *** الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ 
أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ *** لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها *** بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ *** بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا *** لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي *** بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ *** عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهرِي جازِعاً فَرِقاً *** فَلَم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ
بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست *** آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتُ أَربُعُهُ
هَل الزَمانُ مَعِيدُ فِيكَ لَذَّتُنا *** أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ
فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ *** وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ
مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ *** كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا *** جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ
لَأَصبِرَنَّ على دهر لا يُمَتِّعُنِي *** بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ
عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً *** فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ
عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا *** جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ
وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ *** فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ


###########

*** مستفادة من:
- مصارع العشاق، لجعفر بن أحمد القاري البغدادي، ( ج1 ص23-24 ).
- نفح الأزهار في منتخبات الأشعار، لشاكر بن مغامس البتلوني ( ص5-7 ).
- الموسوعة العالمية للشعر العربي ( أدب ):
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=67171