قصيدة.. وشخصيَّة
[ أغَارُ عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي ]
( حفصة بنت الحاج الركوني )
القصيدة ( الأبيات ):
أغَارُ
عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي *** وَمِنْكَ ومِنْ زَمانِكَ والمَكانِ
ولَوْ أنِّي جَعَلْتُكَ فِي عُيونِي *** إِلَى يَوْمِ
القِيامَة مَا كَفَانِي
وفي رواية: [ عَيْنَي رَقِيبِي ]
الشَّخصيَّة:
* يُنسَب هذان البيتان
لـ ( حفصة بنت الحاج الركوني )، (( والركوني: نسبة إلى قرية ( ركونة ) وهي من عمل
البشرات في الأندلس )).
*
وممَّا جاء في وصفها، وترجمتها:
- شاعِرة أديبَة، مِن أهل غِرْناطَة، مشهورَة بالحَسَب
والأدَب والجَمال والمَال، رَقيقَة الشِّعر.
- فريدَة الزَّمان في الأدَب، والظّرف، والحُسن،
وسُرعَة الخاطِر بالشِّعر.
- وَلِيت تعليم النِّساء في دار المنصور حفيد أمير
المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ونُعِتَت بأنَّها أُستاذَة وقتِها.
*
قصَّة حُب:
كان أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي
–وكان وزيراً في غرناطة- عاشقاً لحفصة، وكان متِّصلاً بها يتبادلان رسائل الغرام
والشِّعر، ولهما أخبار وقصص، ومِن ذلك:
- كان أبو جعفر ابن سعيد
يوماً في منزله وقد خلا ببعض أصحابه وجلسائه، فضُرب الباب فخرجت جاريته تنظر مَن بالباب،
فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين؟ فقالت: ادفعي لسيِّدك هذه البطاقة، فإذا فيها:
زائر
قد أتى بجِيدِ غزال *** طامِعٌ مِن مُحبِّه بالوِصالِ
بلحاظٍ
مِن سحر بابلَ صيغَتْ *** ورضاب يفوق بنتَ الدَّوالي
يَفضح
الوردَ ما حوى منه خدٌّ *** وكذا الثَّغرُ فاضحٌ للآلي
أتراكم
بإذنكُم مُسعِفِيهِ *** أم لكم شاغلٌ مِن الأشغالِ
فما
قرأ الرقعة قال: وربّ الكعبة ما صاحب هذه الرُّقعة إلَّا حفصة، فبادر إلى الباب فلم
يجدها، فكتب إليها:
أيُّ
شغل عن المحبِّ يَعوقُ *** يا صباحاً قد آنَ منه الشُّروقُ
صِلْ
وواصِلْ، فأنْت أشهى إلينا *** مِن لذيذ المُنى، فكم ذا نشوقُ؟!
لا
وحبَّيك لا يَطيب صبوحٌ *** غبت عنه ولا يَطيب غبوقُ
لا
وذلِّ الجَفا وعزِّ التلاقي *** واجتماع إليه عزَّ الطريقُ
- وممَّا كتبته في مدحه:
رأستَ
فما زال العِداة بظلمهم *** وحقدِهم النامي يَقولون ما رأَسْ
وهل
مُنكرٌ أن سادَ أهلَ زمانِه *** جَموحٌ إلى العَليا نقيٌّ مِن الدنَسْ
-
بات معها أبو جعفر في بستان بحوز مؤمل، فلما حان وقت التَّفرِّق، قال:
رَعى
الله لَيْلاً لَمْ يَرْع بِمذمم *** عشيَّة وَارانَا بِحوز مؤمّلِ
وقَدْ
خَفَقَتْ مِنْ نَحْوِ نَجْد أريجَةً *** إذَا نَفَحَت جاءَت بريا القُرنْفُلِ
وغَرَّد
قُمريٌّ على الدَّوحِ وانْثَنى *** قَضِيبٌ مِنَ الرَّيحانِ مِن فَوقِ جَدوَلِ
يَرى
الرَّوض مَسْرُوراً بِمَا قَدْ بَدَا لَهُ *** عِناقٌ وضَمٌّ وارْتِشَاف مُقبِّلِ
فقالت:
لَعَمْرُكَ
مَا سُرَّ الرِّياضُ بِوصْلِنا *** ولِكنَّهُ أبْدَى لَنا الغِلَّ والحَسَدْ
ولَا
صَفَّقَ النَّهْرُ ارْتِياحاً لِقُرْبِنَا *** ولَا غَرَّد القُمْرِيُّ إلَّا لِمَا
وَجَدْ
فَلَا
تُحْسِن الظَّنَّ الَّذِي أنْتَ أهْلُهُ *** فَمَا هو في كُلِّ المَواطِنِ بالرَّشَدْ
فَمَا
خِلْتُ هَذَا الأُفْق أبْدَى نُجُومَه *** لأَمْرٍ سِوَى كَيْمَا تَكونَ لَنَا رَصَدْ
- وقالت في غيرتها عليه:
أغَارُ
عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وقَلْبِي *** وَمِنْكَ ومِنْ زَمانِكَ والمَكانِ
ولَوْ أنِّي جَعَلْتُكَ فِي عُيونِي *** إِلَى يَوْمِ
القِيامَة مَا كَفَانِي
وغير ذلك مِن الأخبار..
ولكن عثمان بن أمير المؤمنين عبد المؤمن - كان والياً
على غرناطة حينئذ -، تولَّع بها وتغيَّر بسببها على وزيره أبي جعفر.
وممَّا يُروى في هذا: أنَّ عثمان كان أسود اللَّون،
فبلغه أنَّ أبا جعفر قال لحفصة: ما تحبِّين في ذلك الأسود؟! وأنا أقدر أشتري لك مِن
السُّوق بعشرين ديناراً خيراً مِنه.
وقد أدَّى ولَع عثمان بها إلى قتل أبي جعفر، ويُروى
أنَّ هذا حدَث في عام 559هـ، فحزِنَت عليه ورثته بالمراثي.
*
وفاتها:
توفِّيت حفصة بمراكش سنة 586هـ.
###########
*** مستفادة من:
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،
وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، (
ج4، ص171-178 ).
- معجم الأدباء، لشهاب الدين ياقوت بن
عبد الله الرومي الحموي، ( ج3، ص1182-1185).
- الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد
بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، ( ج2، ص264 ).
- شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام،
لبشير يموت، ( ص215-219).
- الإحاطة في أخبار غرناطة، لمحمد بن
عبد الله الغرناطي الأندلسي، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، ( ج1، ص277-280).

