الخميس، 23 مارس 2017

اِبحث عن شريكة.. لا زوجة !! [ د. عبدالرحمن السميط أنموذجاً ]



( اِبحث عن شريكة.. لا زوجة!! )

[ د. عبدالرحمن السميط أنموذجاً ]


يبحث الشَّباب عادة عن صفات معيَّنة في الزَّوجة (شريكة حياته) المستقبليَّة كقدر مِن الدِّين والجمال... الخ.
لكن هل كل زوجة شريكة؟ وهل كل شريكة تكون شريكة في النَّجاح؟

في أثناء إبحاري في سيرة د. عبدالرحمن السَّميط –رحمه الله- صاحب الإنجازات الدَّعويَّة والإغاثيَّة الهائلة في القارَّة السَّمراء.
شدَّ انتباهي وتوقَّفت عند مواقف شريكه ودافعه للنَّجاح –بعد توفيق الله-؛ زوجته.
بدأت رحلة الشَّريكان منذ أن ارتضاها د. عبدالرحمن لتكون زوجة له، وكان هذا بعد تخرجه من جامعة بغداد.
وبعد عقد القران بيوم وأثناء زيارتها لأهله، أحبَّ أن يطلعها على غرفته لترى واقعه فلا تصدم بالمستقبل!
فلمَّا رأت غرفته الّتي يظهر عليها آثار زهده وتقشِّفه، علمت أنَّها مع رجل باع دنياه بدينه..
ومن ثم أخبرها أنَّ لها ضرَّة!!
وأنَّ ضرَّتها هي الدَّعوة إلى الله..
فلم تتردَّد بالموافقة لأنَّ هذا مسلكها وبغيتها -أيضاً-، ووجدت الشَّريك الذي تبدأ معه الدَّرب..
وتم الزَّواج المبارك في 29/07/1973م.
(( وهذا يوضِّح أهمِّية بيان الشَّريك لشريكه هدفه وغايته مِن البداية حتَّى يكون عوناً له.. أو على الأقل لا يشتِّته عن الطَّريق! ))

وحينما ابتُعث إلى كندا لإكمال دراسته، عاشت حياة الزُّهد والتقشُّف –رغم أنَّ باستطاعتها العيش عكس ذلك-، ولم تمتلك سوى عدد محدود وقليل جداً من الثَّياب! وقد بقيا فيها خمس سنوات.
وكانت تنفق جميع الأموال الفائضة عن حاجتهما، وكلَّما فاض شيء من حسابهما في البنك لا تدع شريكها ينام حتى يخرجه ويبعث به في سبيل نشر الدَّعوة وعون المسلمين، خوفاً من عقاب الله..
وحينما ورثت مالاً أنفقته كلّه في سبيل الدَّعوة إلى الله..
(( وفي هذا بيان تعاضد الشَّريكين، وأنَّ كلاً منهما مكمِّل ومعين ومساند للآخَر قولاً وعملاً )).

وحينما ابتدأ السِّميط –عليه رحمات الله- رحلة الدَّعوة إلى الله في القارَّة الأفريقيَّة، وكان لا يأتيهم في الكويت إلَّا شهر أو شهرين في السَّنة، فكانت خير خلف له في تربية أبنائه وتعليمهم وتحبيبهم في طريق الدَّعوة، وصون بيته وتحمِّل المشاقِّ ليتفرَّغ هو للدَّعوة والإغاثة.
وكان يحس بنفران الصِّغار منه لغيابه الطَّويل.. فما كان من الشَّريك إلَّا أن يبادر، فقالت له: نحن نأتيك في أفريقيا، وأصبحت تأخذ أبنائها في إجازة الصِّيف لإفريقيا لترافق زوجها وتشاركه وتكون عوناً له في مسيرته، وليستغل الوقت الَّذي يفوت عليه بعودته للكويت، ويعايش الأبناء الواقع ويعاينوا مآسي المسلمين.
(( فالشَّريك الحق وصاحب الهدف المشترك مع شريكه، يزيح عن درب الشَّريك ما قد يشتِّته ويؤثِّر على مسيرته في طريق الوصول للهدف المنشود )).

وبعد أن كبر الأبناء، وأصبحوا في الجامعات.. قرَّرت الشِّريكة الارتحال مع زوجها والعيش معه في أدغال القارَّة السَّمراء، غير عابئة بالمخاطر والصُّعوبات..
وكانت تحثُّه وتقوِّي عزيمته ليمضي قدماً ولا يتوقَّف.. ومن هذا؛ أنَّه عاد مرَّة للكويت لعلاج عينيه، وفي فترة العلاج ارتأى أن يتاجر قليلاً ويكسب الأموال ليصرفها في الدَّعوة، فلمَّا رأته قالت أن لم تخلق لهذا إنَّما خلقت للدَّعوة، هيَّا بنا إلى أفريقيا.. نحن خلقنا لأمر أكبر من هذا، ما خلقنا لنأتي ونجلس هنا.
(( الشَّريك لا يزيح العوائق فقط، بل يكون جنباً إلى جنب مع رفيق دربه -متى ما أتيح له ذلك-، ويكون له متَّكئاً، فيسيران بنشوة تحقيق الهدف والحلم المشترك )) .

وهكذا بقيت نعم الشَّريك ورفيق الدَّرب للشَّيخ حتَّى توفَّاه الله.. وحقَّقا نجاحاً يفوق التَّصورات.
وبتوفيق الله لهما وإخلاصهما ظهرت آثار غراسها في أبنائهما وأحفادهما.. ويكملون السَّير على طريق تبليغ رسالة الله..
ومن جميل القصص في هذا.. أنَّ إحدى حفيدات الشيخ –وعمرها ثلاثة عشر عاماً- تفوَّقت في دراستها، واختارت أن تكون هديَّتها الذَّهاب لأفريقيا ومرافقة جدَّيها والقيام بواجبها في الدَّعوة.. وعندما عادت للكويت كان قد أسلم على يديها سبع وعشرون امرأة..
وكانت دائماً ما تردِّد لزوجها وهم في أدغال أفريقيا وقد نال منهم التَّعب والإرهاق: هل سنجد في الجنَّة طعم هذه السَّعادة كما نجده هنا؟!
(( غُرست القيم والأهداف الَّتي قامت عليها الشَّراكة، فلا تنتهي بموت شريك أو غيابه ))

وفي هذا المقام نستذكر قول الحق سبحانه: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (*) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } (الأحزاب: 28-29).. فطريق تبليغ الرِّسالة صعب وطويل وشاق، لا مكان فيه للانشغال بمتع الدُّنيا وزينتها، فاخترن الطَّريق.
ولقد اختارت أم صهيب طريقها مقتدية بأمهات المؤمنين –رضوان الله عليهن-..

ختام:
( فاظفر بذات الدِّين تربت يداك ).. اظفر بذات التَّدين "الحقيقي" الدَّافع للعمل والإنجاز، ومساعدة شريك الحياة ودعمه ومساندته في طرق الخير.. اظفر بها لتربح في الدَّارين..

ليست كل زوجة شريكة.. وليست كل شريكة تدفع نحو الأمام!
ووراء كل رجل عظيم.. امرأة عظيمة.


الخميس، 2 مارس 2017

الزَّبيب.. والبيضة !!



( الزَّبيب.. والبيضة !! )




تبنَّاه شيخه منذ صباه ليتفرَّغ لطلب العلم، وكان بعض أهله يحاول أن يأخذه من حلقة العلم ليعمل وينفق على أهله، فيتمسَّك به معلمه ويعطيهم أجرة. ومرَّت الأيام والفتى يطلب العلم ويكون في مقدمة الحلقة، ويزداد إيمان شيخه به وبقدراته.. مرض الشاب مرَّة فجاءه كثيرون يعودونه لما يعلمون من تقديم الإمام له وحظوته عنده، فجاس بباله خاطر أن يُكوِّن حلقة علميَّة خاصَّة به ويكتفي بما تعلَّم مِِن أستاذه.
سأل أبو حنيفة عن تلميذه أبو يوسف الذي لم يحضر الدَّرس، فأخبروه أنه أنشأ حلقة خاصة به، فقال قوله الذي أضحى مثلاً: ( تزبَّب قبل أنْ يتحصرم ) أي: أضحى زبيباً قبل أن يمر بالمراحل الطَّبيعية (الحصرم ثم العنب ثم الزَّبيب)، فلكل مرحلة أوان، فيطيب الثَّمر.
ثم أرسل أبو حنيفة شخصاً يحضر حلقته ويستفتيه بمسألة وكان قد أخبره بجوابها، فعيي أبو يوسف الجواب وحار فيه، وفطن إلى أنَّ شيخه ومربِّيه أرسل السَّائل، وعرف خطأه وعاد إلى الحلقة ينهل مِن علمه شيخه، حتى أجازه بأن يعلِّم، وأضحى مع الأيام قاضي قضاة بغداد في ذروة مجدها أيام الرَّشيد.
وهكذا درج السَّلف في طلب العلم والجد فيه، وأخذه من مصادره، مهما طالت السُّنون، ومهما كابدوا مِن مشاق، حتى يشهد لهم أهل العلم ويجيزونهم، فيحدثون ويفتون.. وفي سيرهم العجب العجاب في هذا.
لأنَّهم يدركون أنَّ العلم أمانة، ولحمل هذه الأمانة الثَّقيلة عليهم دفع الثَّمن من وقتهم وجهدهم.. وهكذا نفع الله بهم.
وفي زمننا هذا، أضحى أدعياء العلم كثر، والمفتون أكثر، وأضحى الدِّين الحلقة الأضعف الذي يتكلَّم به الجميع ويبدؤون آرائهم.. وإذا تتبَّعتهم وجدت الكثير والكثير منهم لم يطلبوا العلم حق طلبه ويجهلون أصوله وأسسه وقواعده.
فمن قرأ كتابين أو حتى تغريدتين أصبح شيخاً ومفتياً!!
ومع الثورات العربية وخصوصاً السُّورية تلاحظ هذه الظاهرة بشكل لافت، وخاصة من بعض الجماعات التي وجدت فرصة للدخول.. فتجد الشباب - ممَّن لا يعرف عنهم سابق طلب علم ولا شهادة علماء معروفين إلا بعض من المجاهيل - يفتي ويرجح ويأوِّل ويفسِّق ويكفِّر.. وإن ناقشته اكتشفت ضعف أساسه وبنيانه، وقد تفحمه وأسهل ردِّه عليك أنَّك صاحب هوى..
وكثير منهم مرجعهم ودليلهم في العلم الذي يدَّعونه، أقوال بعض المشايخ الذين يحملون نفس الفكر، وما هم إلا نسخاً بشرية غيبوا عقولهم وحبسوها في صندوق أئئمَّتهم.
وحتَّى الصغار والأغرار أضحوا أئمة!!
وينطبق عليهم المثل الشَّامي : ( لسَّه ما فقس مِن البيضة ).
إنَّ على أهل العلم الصادقين أن يبذلوا جهودهم لبيان مخاطر هذه الظاهرة على الأفراد والمجتمعات، وأن يقوم أهل العلم العاملين بدورهم في نشر العلم وبيان سنن طلبه.
وعلى الشَّباب أن يتأمَّلوا في قصص وسير العلماء وطلبهم وجدهم في طلب العلم..
ومن استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.