د. عبدالرَّحمن
السِّميط.. عوامل نجاح
إنَّ قراءة سِيَر
النَّاجحين واستخلاص العِبَر والفوائد منها، لمِن أكبر الحوافز والدَّوافع للإنسان،
كونه يقرأ عَن أُناسٍ مِثله تمكَّنوا مِن الوصول إلى غاياتهم وتحقيق أهدافهم،
فلماذا لا يَصِل هو أيضاً؟!
ويزداد التَّأثير كلَّما كانَت الشّخصيَّة أقرب
في الزَّمان..
ومِن الشَّخصيَّات الَّتي حقَّقت نجاحاً في
عَصرِنا الحاضِر: د. عبدالرَّحمن السِّميط – رحمه الله تعالى- ، والكلام يطول عنه،
ولكن سأحاول في هذه السُّطور تغطية محطَّات مِن حياته وعوامل ساهمت في نجاحه – بعد
توفيق الله - :
- النَّشأة الصَّالحة.
ظهرت عليه علامات الصَّلاح منذ نعومة أظفاره، ومِن
هذا: مواظبته على صلاة الجماعة – في وقت كان يعزّ أنْ تجد فيه مواظبين - وهو ابن سِتّ
سنين.. حتَّى لُقِّب بـ ( الملَّا ) أي: ( الملتزم ).
وهذا طبعاً لم يأت مِن فراغ، بل هو دليلٌ على
دور الوالدَيْن في التَّنشئة وتوجيه المسار وحُسن القيام بدور القُدوة.. وكما قال
المعرِّي: وينشأ ناشىء الفتيان منَّا على ما كان عوَّده أبوه.
- القراءة.
كان شغوفاً جدّاً بالقراءة منذ صغره، حتَّى أنَّ
والده كان يتردَّد أحياناً في أخذه معه لأنَّه كان يلتقط أيّ ورقة بالطَّريق
ويقرأها، واستمرَّت معه القراءة الشُّموليَّة، وكان لها كبير الأثر في نجاحاته وتحديد
بوصلته وتحقيق أهدافه.
وكانت القراءة ولا زالت وستظل من أهم عوامل
النَّجاح للأفراد والأمم، ويكفي لذلك أنَّها أوَّل أمر ربَّاني لرسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم وأمَّته { اقْرَأ }[العلق: 1].
- وضوح الهدف، والتَّركيز
عليه.
في طفولته كان يقوم بارتداء معطف أبيض ويقلِّد عمل
الأطبَّاء.. وعندما حان موعد دخوله الجامعة لم يتردَّد في الالتحاق بكليَّة
الطِّب، ليحقِّق حلمه ويصيب هدفه.
كما أنَّه كان يقرأ ويسمع عن الواقع المرّ
الأليم للمسلمين في بقاع الأرض عامَّة، وفي أفريقيا خاصَّة، فعزم على مساعدتهم،
ونرى ذلك جليّاً في اختياره لدراسته للطِّب والتخصُّص في دراسة ما يتعلَّق بأمراض
المناطق الحارَّة.
وتَبقَى القِراءة والتَّنشِئة العاملان
المُهمَّان في تحديد الهدف والسَّير على بُوصَلة محدَّدة فيتحقَّق المَرجو – بعد
توفيق وعون الله -.
والأهل لم يقوموا بزجره أو الاستخفاف بما يفعله..
وإلَّا لوأدوا حلمه منذ البداية، وتركوا له حريَّة الاختيار.
- الانضمام للكشَّافة.
انضَم للكشَّافة وهو في المرحلة المتوسِّطة ( الإعداديَّة
) وبقي بها لسنوات، واستفاد منها عديد الخبرات والمهارات الحياتيَّة، كالاعتِماد
على النَّفس وحل المشكلات... وغيرها.
فللأنشطة المدرسيَّة غير الصفيَّة أهميَّة
كُبرى إذ أنَّها تُنمِّي وتُطوِّر المهارات الحياتيَّة للطَّلبة، بالإضافة إلى دورها
المهم في غرس القيم.
- المبادرة والعمل
التَّطوعي.
من أوائل مبادراته التَّطوّعيَّة ما قام به وهو
في المرحلة الثَّانويَّة، حيث لاحظ هو وبعض زملائه وقوف العمَّال تحت أشعَّة
الشَّمس الحارقة بانتظار الحافلات، فجمعوا مبلغاً من المال واشتروا سيَّارة قديمة
وبدؤوا بنقل العمَّال مجَّاناً.
وخلال دراسته في العراق كان يخصِّص جزءاً من
مصروفه لشراء الكتب الدِّينيَّة وتوزيعها على المساجد ومحتاجيها.
وأثناء وجوده في كندا لإكمال دراساته كان كثير
الاحتكاك بالجاليات المسلمة فيها وفي أمريكا، كما كان مسهماً وفعَّالاً في الأنشطة
والفعاليَّات. وكان يجمع دولار كلّ شهر من الطَّلبة المسلمين والعرب في مدينته،
ويقوم بشراء الكتيِّبات وإرسالها إلى جَنوب آسيا وأفريقيا.
والعمل التَّطوّعي والخيري يُغرَس في الإنسان
مُنذ الصِّغر عبر الأسرة والمَدرسة- إذا كانَتا تقومان بواجِباتِهما حقّ القِيام
-، وهذا ما نَراه بشكلٍ كبيرٍ في دُول الغَرب، ونحْن المسلمين أولى بهذا خاصَّة
وأنَّ دِينَنا يؤسِّس لهذا { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى }[المائدة: 2]. والعمل
التَّطوعي والخَيري أحد علامات تحضُّر المجتمَع.
كما يحضر هنا عنصر الإخوان والأصدقاء الَّذين
يُعينون ويُساهمون ويُحفِّزون، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
- أسرته.
لها الدَّور الكبير – بعد عون الله - فيما وصل
إليه، وقد تحدَّثت عن دور زوجته الرَّائع في مقالٍ سابقٍ بعنوان: ( اِبحث عن شريكة..
لا زوجة!! ) [ د. عبدالرحمن السميط أنموذجاً ].
- اقتناص الفرصة:
بعد تخرُّجه وعمله كطبيب في الكويت، جاءته إحدى
المحسنات لبناء مسجد في أفريقيا، وظلَّت تتردَّد عليه حتَّى وافق، فذهب ورأى
الواقع بنفسِه، ومِن ثمّ كانت انطلاقته.
فإذا أتتك الفرصة فاقتنِصها، ولا تبرِّر تركها لأيٍّ
سببٍ كان، فقد تذهب ولا تعود.
وهذه المرأة جعلها الله مفتاح خير بحرصها وإصرارها
عليه لما تعرفه مِن أمانته وحرصه.
- التَّحدِّي وعدم
الاستسلام.
تمّ قبوله في مصر والولايات المتَّحدَة
الأمريكيَّة لدراسة الطِّب، ولكن في
اللَّحظات الأخيرة سمع أنَّ الدِّراسة في جامعة بغداد صعبة للغاية، فحوَّل مسار
بعثته إليها.
وعلى الرّغم مِن عدم نجاحه في السَّنة الأولى، لكنَّه
قرَّر المواصلة رغم عديد الصُّعوبات والمضايقات الَّتي تعرَّض لها، واستطاع إثبات
جدارته وإبراز قدراته.
وفي عمله في القارَّة السَّمراء لاقى وواجه
الكثير والكثير مِن المحن والبلايا والمؤامرات والأمراض ومحاولات الاغتيال.. لكن
كلّ هذا لم يثنه عن عزمه.
فالتَّحدِّي يُبقي جذوة الإنسان مشتعلة
متَّقدة، فكلَّما خبت الهمَّة أو كادت أو ضعف الإنسان أو أحبط لعوامل معيَّنة،
أوقد التَّحدِّي شعلة الإرادة والعزيمة مِن جديد ليكمل المشوار.
- همّ الأمَّة.
في عام 1967م حاول الذَّهاب مع بعض الشباب لفلسطين
للجهاد، ولكنَّهم مُنِعوا، ونرى اهتمامه بالمسلمين في كل أنحاء المعمورة في أفريقيا
وجنوب شرق آسيا والجاليات... فكلُّهم إخوانه { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }[الحجرات: 10]، يحمل همّ
هدايتهم ونُصرتهم وتأمين احتياجاتهم ما أمكنه.
وهذا هو المسلم الحقّ؛ فـ ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ
فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى
مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) [رواه: مسلم]. وهذا
الشُّعور يولِّد طاقةً وتحفيزاً للمسلم الَّذي يتعدَّى نفعه لنفسه ليكون لمجتمعه
وأمَّته، وهذا واجب عليه وليس تفضُّلاً ومنَّة. وفي الوقت الحالي – ومع الأسف –
تنطلق دعوات تُضاد هذا الأمر وأنَّ على الإنسان أن يُفكِّر بنفسه ومُحيطه فقط
ويكفيه ما هو فيه، ولكن المسلم الواعي يُدرك خطر هذه الدَّعوات وتمزيقها لأواصر
الأخوَّة الإسلاميَّة وبث روح اليأس والإحباط لدى المسلمين.
- البُعد عن الخلافات.
لم ينضوي تحت أيّ حزب أو جماعة، ولم يتدخَّل في
خلافٍ مع الجماعات أو الحكومات، وركَّز على هدفه فقط.
فمَن يحمل هدفاً وهمّاً – وإنْ كان مُنضوياً تحت
حِزب أو جَماعة - ، لا ينبغي أن يدخل في دوَّامة الخلافات ما أمكنه ذلك، ويجعل
الحقّ ديدنه، ويحاول التَّقريب والتَّقرّب من الجميع، وخاصّةً مَن كان يحمل لواء
الدَّعوة إلى الله ورسالة الرَّحمة للعالمين، ومَن سار في طريق الله امتثل أمره: {
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا }[آل عمران: 103]، { وَلا تَنَازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }[الأنفال: 46].
- دور الأفراد، والعمل المؤسَّسي.
كان يؤمن بدور الأفراد، وأنَّ الواجبات لا
تقتصر على الجماعات والدُّول.
وكان يرى أنَّ العمل المؤسَّسي هو الأساس،
فأسَّس لجنة مسلمي أفريقيا التَّابعة للجنة النَّجاة الخيريَّة، ثمَّ استقلت تحت
مسمَّى جمعيَّة العون المباشر.
فالعمَل الفردي مُهم وأساس للانطلاق، ولكن للحفاظ
على المكتسبات وتطويرها لا بدّ مِن الانتقال إلى العمل المؤسَّسي الَّذي يستمر بغضّ
النَّظر عن حالة الفرد، وهذا ما نراه الآن باستمرار عطاء المؤسَّسة الَّتي أنشأها –
رحمه الله - ويقودها في الوقت الحالي أحد أبنائه.
- التَّعليم.
ممَّا يُروى عنه: لو استقبلت مِن أمري ما
استدبرت ما استثمرت في أفريقيا إلَّا في التَّعليم.
فاهتمّ بالتَّعليم وأنشأ المدارس والجامعات،
لأنَّه يدرك أثر التَّعليم والعلم في إحداث النَّهضة في شتَّى المناحي والمجالات،
انطلاقاً مِن الأمر الرَّبَّاني { اقْرَأ }[العلق: 1]، وتأسِّياً بسيرة
قائد ومعلِّم الأمَّة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – .
- التَّنمية المُستدامة.
كان يهتم بالمشاريع التَّنمويَّة ذات العائد،
وليس فقط إعطاء المُحتاج مباشَرة.
فدعم المحتاجين بالاحتياجات الأساسيَّة لمواجهة
الصُّعوبات الحياتيَّة أمر مهم، والأهم بعد ذلك دعمهم وتعليمهم ودمجُهم في مشاريع
تنمويَّة تدرّ عليهم وتحوِّلهم مِن عالةٍ إلى منتجين يعولون أنفسهم ويعاونون غيرهم.
- التَّدرُّج.
ابتدأ بالحاجات الأساسيَّة ( طعام، أدوية... )
لعِظَم الحاجة إليها، وكان لا يفرِّق بين مسلمٍ وغيره في ذلك ولا يُساومهم أو
يجبرهم على اعتناق ما يؤمن به، وكان يرى أنَّ الفطرة الَّتي فطر الله النَّاس
عليها ستظهر وتُثمر. ولم يصطدم بالعادات والتَّقاليد حتَّى يُعلِّم النَّاس ويتمكَّن
الإيمان في قُلوبهم وحينئذٍ سيبادرون هم بنقض ما يخالف إيمانهم.
والتَّدرُّج طبَّقه الدَّاعي والمُربِّي
والمعلِّم الأوَّل محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام بتدرِّج الوحي، لتربية النُّفوس
على تقبُّل ما يُلقى إليها، كما في حادثة الخمر حتَّى إذا جاء الأمر النِّهائي
بحرمتها سكبوها في الطُّرقات بعد أن تربَّت نفوسهم على اليقين والامتثال.. وغيرها
الكثير مِن الأمثلة.
- استغلال الوسائل للدَّعوة.
كان – عليه رحمة الله - يستغل جميع الوسائل والسُّبل
والتَّقنيات المتاحة، فمَن اقتضى الأمر ذهابه والوصول إليهم ذهب مهما كانت المشاق،
كما استخدم الإعلام فأنشأ الإذاعات وقناة تلفزيونيَّة في أفريقيا، وكان يحضر
اللِّقاءات والمنتديات في الدُّول العربيَّة وغيرها يحكي تجاربه ويُرغِّب النَّاس
في الدَّعوة والتَّبرُّع لمن هم بحاجة.
وهكذا الإنسان صاحب الهدف والمُسلم صاحب الغاية،
يستخدِم كلّ ما يتاح له ويسهم في إيصال رسالته وفكره، ولا يقتصِر على شيء مُعيَّن فلا
يصل إلَّا لعددٍ محدود. وقد كان معلِّم البشريَّة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم
– لا يترك فرصةً أو وسيلةً أو مناسبةً إلَّا استغلَّها لإيصال دعوتِه، وكتب
السِّيرة ملئا بذلك.
- السَّعادة.
لقد أدرك رحمه الله أنَّ " سعادة القلب أن
تُدخل السَّعادة على قلوب النَّاس، وإنَّ أكبر اللَّذات هي لذَّة الإحسان "[علي الطنطاوي]، فكيف بمن
يُدخل السَّعادة عليهم ويهديهم لخير دينٍ وخير طريقٍ.
الإحساس بالواجب الدِّيني والإنساني مُحفِّزٌ
كبيرٌ للإنسان للبذل والعطاء، فكيف إنْ اجتمع معه السَّعادة، ولقد عبَّر – رحمه
الله – كثيراً عمَّا يشعر به من السَّعادة في مهمَّته رغم ما كان يعانيه.
ولقد أثبتت بعض الدَّراسات العلميَّة المعاصرة
الدَّور الكبير للعطاء والبذل للآخرين في انتشار هرمون السَّعادة داخل الباذل
والمعطي، ولذا فـ ( أَحَبُّ النَّاسِ إلَى اللهِ أنْفَعُهُمْ للنَّاسِ ) [صحيح الترغيب].
- الإخلاص.
الإنسان المسلم يعمل ويبذل ويجتهد طلباً للقبول
والرِّضا من الله جلَّ وعلا، وهذا لا يتأتَّى إلَّا من إخلاص النِّيَّة لله تعالى،
وهذا ما نحسب د. السميط عليه – والله حسيبه -.
فالإخلاص والعمل الجاد تأتي بالإنجازات بما
يتجاوز قُدرات البشر، كما قال د. طارق السويدان.
وكما قال – رحمه الله - : نحن لا ننتظر شهادات
مِنْ أحد، نحن عملنا في الميدان، وننتظر من الله فقط أنْ يتقبَّل مِنَّا.
ختام:
قال د. السميط: سأُلقي عصا التِّرحال يوم
تضمنوا لي الجنَّة، وما دام دون ذلك فلا مفرَّ مِن العمل حتَّى يأتي اليقين.

