الأربعاء، 12 أبريل 2017

قصَّة قصيدَة ( عينيَّة ابن زُريق البغْدادي [ لا تعذليه فإن العذل يولعه .. ] )


قصَّة قصيدَة ( عينيَّة ابن زُريق البغْدادي )
[ لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ *** قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ ]

القصَّة:
أبو الحسن علي بن زريق البغدادي ( المتوفَّى سنة 420هـ )..
كان ببغداد، وكانت له ابنة عم قد كلف بها أشد الكَلَف، ثمَّ ارتحل عنها مِن بغداد لفاقَة علَتْه. فقصد الأندلس، وذهب لأبي عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه، فأراد أبو عبد الرحمن أنْ يَبْلوه ويختبِره، فأعطاه شيئاً نَزَراً، فقال ابن زُرَيق: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! سلَكت البَراري والبِحار والقِفار إلى هذا الرَّجل فأعطاني هذا العطاء النَّزْر؟
ثم تذكَّر فراق ابنة عمِّه وما بينهما مِن بُعد المسافَة وتحمُّل المشقَّة مع ضيق ذات يدِه، فانكسَرت إليه نفسُه واعتَلَّ فمات.
وشُغِل عَنه الأندلسي أيَّاماً، ثم سَأل عنه فخرجوا يطلبونه، فانتهوا إلى الخان الَّذي كان فيه وسألوا عنه، وصعدوا لغرفته فدفعوا الباب، فإذا بالرَّجل ميتاً، وعند رأسه رقعة مكتوب فيها قصيدته:
فلما وقَف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى اخضلَّت لحيته، وقال: ودَدت أنَّ هذا الرَّجل حي وأشاطِره نصْف مُلكي. وكان في رُقعَة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف كذا، والقوم يُعرفون بكذا، فحُمِل إليهم خمسَة آلاف دينار، فوصلت إليهم وعرفوا بموته.


القصيدة:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ *** قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّ بِهِ *** مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً  *** مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ *** فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ *** مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ *** رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ *** مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً *** وَلَو إِلى السَندّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه *** للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ *** رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ  *** لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ
لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى *** مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت *** بَغي أَلّا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ
وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه *** إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ
استَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً *** بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي *** صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً *** وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ *** عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ *** بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ        *** وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا *** شكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ *** كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ
كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ        *** الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ 
أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ *** لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها *** بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ *** بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا *** لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي *** بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ *** عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهرِي جازِعاً فَرِقاً *** فَلَم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ
بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست *** آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتُ أَربُعُهُ
هَل الزَمانُ مَعِيدُ فِيكَ لَذَّتُنا *** أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ
فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ *** وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ
مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ *** كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا *** جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ
لَأَصبِرَنَّ على دهر لا يُمَتِّعُنِي *** بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ
عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً *** فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ
عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا *** جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ
وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ *** فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ


###########

*** مستفادة من:
- مصارع العشاق، لجعفر بن أحمد القاري البغدادي، ( ج1 ص23-24 ).
- نفح الأزهار في منتخبات الأشعار، لشاكر بن مغامس البتلوني ( ص5-7 ).
- الموسوعة العالمية للشعر العربي ( أدب ):
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=67171

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق